ثمّ بيّن لهذه الأمة أن التحليل والتحريم هو حقٌ له وحده فقال: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [1] ؛ فبيَّن -سبحانه وتعالى- أنّ التحليل والتحريم هو حقٌ له وحده وأنّ من شاركه في التحليل والتحريم فقد جعل نفسه إلهًا؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، والحمد لله رب العالمين.
ولذلك نبّه -عزّ وجل- على هذا الأمر العظيم، فقال: {لَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [2] ، فالقول بالحلّ والحرمة شأنه عند الله -تبارك وتعالى- عظيم.
ولذلك كان الأئمة يُعظّمون شأن الإفتاء والسؤال في الدين وفي شرع الله -عز وجل-، حتى كان بعض أئمة الإسلام إذا سُئل عن أمر ولم يأتِ اللفظ بذكر تحريمه، وإن كان يعتقد أنه محرم؛ كانوا يتورَّعُون عن إطلاق لفظة التحريم، ويطلقون لفظةً أقلّ منها وإن كانت في الدلالة من حيث ما يريدونه هي نفس دلالة لفظة الحرام، كما كان الإمام أحمد يُسأل عن مسائل كثيرة فيقول:"أكرهه"أو يقول"لا يعجبني"أو غير ذلك، وذلك لا يعني عنده أنه يرى أنه مكروه بالمعنى الاصطلاحي الذي اصطلح عليه المتأخرون، وإنما مراده أن الله -تبارك وتعالى- يكرهه؛ كما قال تعالى عندما ذكر المحرمّات في سورة الإسراء: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [3] ، وإنما كانوا يتورَّعون عن التَّلفظ بلفظة الحرام.
فكيف يقالُ بعد ذلك وما هو الحال فيمن يحلل ويحرم ويأخذ التحليل والتحريم من شرع مغايرٍ لشرع الله -عز وجل-، نسأل الله -عزّ وجل- أنّ يعافي أمّةُ المسلمين مما وقعت فيه والله المستعان.
ولذلك قال الله -عزّ وجل- في آخر الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [4] .
(1) سورة الأنعام، الآية: 145.
(2) سورة النحل، الآية: 116.
(3) سورة الإسراء، الآية: 38.
(4) سورة النحل، الآية: 116.