كل طائفة ما عند مخالفها من الباطل وتبعًا له ما عنده من الحق كذلك، دفعتهم إلى ذلك الخصومة والشحناء والبغضاء والهوى والشهوة والإعراض عن النظر إلى الحق، والمسلم مأمور أن ينظر في الحق ولو كان من عند أعدى أعداء ومن عند خصومه.
هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقرِّر أبا هريرة فيما أخذه من شيطان؛ عندما قال له والحديث في صحيح البخاري: (ألا تتركني على أن أعلمك كلمات إذا قتلها إذا أمسين لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، وإن قتلها إذا أصبحت لا يزال عليك من الله حافظ حتى تمسي) ، فعلّمه آية الكرسي، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (صدقك وهو كذوب) [1] .
فهذا هو دأب المسلم، ونحن وإن كنا نبرأ إلى الله -عز وجل- من دين الخوارج، ونلجأ إلى الله -تبارك وتعالى- ونعتصم به من أن نوافقهم في شيء من طرائقهم، لكننا لا نستطيع ولا نجرؤ ولا يجوز لأحد أن يقول أن كل ما عليه الخوارج باطل مردود، فكم وُجد من هذه الأمة ممَّن ينتسب إلى هذه الأمة من الطوائف الضالة والفرق المبتدعة التي خالفت في منهاجها وطريقتها سبيل أهل السنة وسلفها وأئمتها -رحمهم الله-، ولكن وُجد بينهم من يقول أقولًا توافق أقوال أهل السنة، وليس المعنى أننا نأخذ من أقوالهم لأنهم قالوها؛ بل نأخذ ونقرها لأنها وافقت كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
فأقول إن كان هذا هو الذي يعنيه من تعميمه ذلك؛ وهو أن الجميع بمنزلة واحدة، ثم يضرب على ذلك مثالًا ويُمثّل لهم بما فعلته الجماعة المسلحة؛ فقوله هو -لعمر الله- خروج من غلو إلى غلو؛ فقد شنَّع على المخالفين في باب الغلو ثم غالى في الحكم على كل مخالفيه، وحكم على الجميع حكمًا واحدًا؛ أنّهم خوارج، واستشهد عليهم بعد ذلك بالحديث الذي سبق وذكرتُه وهو حديث ابن مسعود وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري -رضي الله عنهم- في الصحيحين والمسند والسنن. أقول هذا خروج من غلو إلى غلو.
(1) الحديث في صحيح البخاري (2311) ونصه: (دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها) ، قلت: (ما هو؟) قال: (إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} ، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح) .... فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة» ، قال: لا، قال: «ذاك شيطان» ).