فيقولون لك:"فإن سرق ثانية؟"؛ فتقول لهم قد ارتكب كبيرة من الكبائر، ومذهب أهل السنة أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الإسلام، وهذا بخلاف ما يعتقده الخوارج فإنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر والخلود في النار وإن لم يكن مستحلًا لها.
فيقولون:"فإن سرق في الثالثة؟ والرابعة؟"وهكذا، ويقولون لك:"فما تقولون فيمن زنا؟"فتقول قد ارتكب كبيرة."فإن كرّر الزنا ثانية وثالثة ورابعة؟"كل ذلك تقول قد ارتكب كبيرة من الكبائر.
فيقولون لك:"أتقول بأنه يكفر؟"؛ فإن قلت نعم فقد وافقت الخوارج في قولهم، وإن قتل لا قالوا لك:"فالحاكم بغير ما أنزل الله هو رجلٌ تعدَّدت منه الكبيرة، وتعدُّد الكبيرة لا يُكفّر الفاعل الذي تعدّدت منه تلك الكبيرة".
وهذا القول باطلٌ لا يلحق تصحيحًا ولا إجازة، بل هو بيّنُ البطلان إن شاء الله تعالى، إذ أنّنا نقول: فرقٌ واضحٌ وجليٌّ بين الرجل الذي تقع منه الكبيرة مرة أو مرات وهو لا يستحلّ ذلك، وبين من يُقنّن للناس ويُشرّع لهم شرعً ودستورًا ويجعله محلّ كتاب الله ومحلّ سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع الناس في فضّ خصوماتهم ونزاعاتهم إلى ذلك المحلّ.
فيقول مثلًا في دستوره وتشريعه وقانونه إنّ السرقة يُعاقب فاعلها بالحبس أو بالغرامة كما ذكرت في المرة الماضية، أو يقول إنّ المرأة إن زنت برضاها فلا شيء عليها، فهذا حكمُ؛ والقاضي والحاكم حينما يحكم بين المتنازعين بأمر كهذا فإنّه لا يقول:"هذه زانية فاجلدوها إن كانت غير محصنة وارجموها إن كانت محصنة"، لا يقول ذلك وإنّما يقول إن فعلها لا شيء فيها لأنّ نص الدستور والتشريع والقانون فيه ذلك.
وهذا هو عين ما دلّ عليه قول الله -تبارك وتعالى-: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [1] ، وعين قوله -عزّ وجل- في الآية التي ذكرناها في المرة الماضية وهي قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [2] .
(1) سورة التوبة، الآية: 31.
(2) سورة الشورى، الآية: 21.