إذًا فرقٌ بين هذا وذاك، فرقٌ بين من تقع منه الكبيرة ثم هو يتوب منها وتقع منه مرة ثانية وهو يعلم أنها محرمة ولا يستحلها، وبين ذلك الذي يُشرّع ويَسُنّ للناس شرعًا آخر يتبعونه وهو مناقضٌ ومخالفٌ لشرع الله -عزّ وجل-، فهذا الأول.
وأمّا الثانية من الجواب والبيان على ما ذكروها من اشتراط الاستحلال القلبي في شأن المشرّع وأنّه لا يكفر إلا بذلك فهو أن نقول: أنّ أهل العلم -رحمهم الله تعالى- قد اتفقوا على أنّ هناك أعمالًا يُحكم على فاعلها بالكفر والخروج من الإسلام بغير النظر إلى معتقد فاعله، وقد مثَّلوا لذلك بأمثلة وذكروا على ذلك أدلّة من كتاب الله -تبارك وتعالى- ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهي أدلة متضافرة على هذا الذي قالوه.
فممّا مثَّلوا له مثلًا السجود للصنم أو السجود للشمس وغيرها، ومنها كذلك الاستغاثة بالأولياء والذَّبح والنَّذر لهم والطَّواف عندهم قبورهم ونحو ذلك مما لا ينبغي أن يكون إلا لله -تبارك وتعالى-، ومنه كذلك سبّ الله وسبّ رسوله والاستهزاء بالدين أو بآيات الله وكتابه وأنبيائه ورسله وملائكته، وغير ذلك، كالاستهزاء بالمصحف أو التمسح به من الغائط أو نحو ذلك من الأفعال التي لا تقع إلا على وجهٍ يكفَّرُ به فاعله وصاحبهُ.
واعلم أنّ لهذه المسائل التي ذكرها أهل العلم -رحمهم الله- ضابطٌ؛ وهو أنّ كلّ ما ذكر الله -تبارك وتعالى- في كتابه أنه كفرٌ أكبر مُخرج من الدين والملة؛ فإنه يُحكم على فاعله بذلك حتى يدل الدليل على خلاف ذلك الذي ذكرناه.
وذلك إنّما يُجرى على ظاهر الفعل والأمر، فمن رأينا منه أنه سب الله وسب رسوله، أو من رأينا منه أن أتى فعلًا من الأفعال التي حكم الله -تبارك وتعالى- في كتابه أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنّها مُكفّرة فإنّه يُحكم على فاعلها ومرتكبها بالكفر والخروج من الملة متى تحقّق العالم أو المجتهدُ بالنظر إلى حاله من زوال الموانع.
ومعنى قولنا هنا:"متى تحقَّق من زوال الموانع"؛ معناه أنه لا يُكتفى في الامتناع من إجراء الحكم على فاعل ذلك؛ لا يُكتفى به بالظن المجرّد الذي لا يُغني من الحقّ شيئًا؛ أي لا يجوز أن يقال لا يكفر ساب الله أو ساب رسوله فلعلّه أن يكون جاهلًا، ولا يجوز أن نقول لا نكفّر الساجد لصنم لعلّه أن يكون حديث بإسلام أو لعله