فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 141

أما لو تحقّقت المفاصلة وتحقّق التمايز بين طائفة الإسلام وطائفة الكفر؛ إمّا التمايز الكليّ الحسيّ وهو وجود دارَيْن، وإمّا تمايز مَعْنَوِيّ وهو الذي سأبيّنه في الدرس القادم -إن شاء الله تبارك وتعالى-؛ فهذا مما يُسهِّل تنزيل الأحكام وله حالات تختلف ممّا أذكره الآن.

أما عندما وقع هذا الخلط في أصل الدين، واختلط على الناس أصل دينها وما يجب عليهم من مفارقة أعداء الدين وأعداء الله، ولم يوجد في ديار الإسلام من يُبيِّن لهم هذا الأصل ويدعوهم إليه؛ أقول فبسبب ذلك لا يجوز لأحد أن يُحكم على أحد من عامة أهل الإسلام بحكم يُخرجه به من ملة الدين ما دام قد أظهر لنا علامة من علامات الإسلام.

وإظهاره لعلامة من علامات الإسلام هي حُكم له بالإسلام ابتداءً وليس حكمًا له بالإسلام على الدوام وإن أتى ناقضًا من النواقض، كما دلّ على هذا حديث الجارية؛ حديث جرير بن عبد الله السلمي في صحيح مسلم وفي سنن أبي داود، الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - (يا رسول الله لي جارية فلطمتها) ، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وندم وقال: (أريد أن أُعتقها) ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ادعُها، فدعاها فقال لها: (أين الله؟) قالت: (في السماء.) ، فقال لها: (من أنا؟) ، قالت: (أنت رسول الله.) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (اعتقها فإنها مؤمنة) .

فشهد لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإيمان وذلك لأنها جاءت بعلامة من علاماته، وهذه العلامة هي شهادة أن محمدًا رسول الله، وأن الله -تبارك وتعالى- رب الخلق في السماء، فبهاتين العلامتين شهد لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام، وليس معنى هذا أن هذا الذي شهدت به هو أصل الإسلام الذي يُحكم بسببه على المرء بالإسلام على الدوام حتى أنه لو جاء بناقض من نواقض الإسلام بقي على إسلامه، وقد أشار لهذا المعنى الذي ذكرت الإمام الخطابي -رحمه الله- في (معالم السنن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت