ولذلك مَن أظهر لنا مِن المسلمين علامة من علامات الإسلام؛ كأن يكون ممّن يصلي صلاتنا أو يستقبل قبلتنا أو يذبح ذبيحتنا، كما هو عند صحيح البخاري من صحيحه من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه وأرضاه-: (فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) كما في رواية في الصحيح [1] .
فمن جاء بشيء من هذه العلامات حكمنا له بالإسلام ابتداءً، وهذا هو الفارق بين طوائف الغلو التي خرجت على الأمة واستباحت دمها بالسيف وبين قول أهل السنة في ذلك. لا كما أراد الشيخ في معرض ردِّه أن يخلط الجميع فيجعله بمرتبة واحدة وبمنزلة واحدة.
فإن هذه من الفوارق العظيمة، وهي أن أهل السنة يحكمون على عامّة أهل الإسلام في بلاد الإسلام بأن الأصل فيهم الإسلام، وأن من أظهر شيئًا من علامات الإسلام التي يُحكم بها على المرء بالإسلام؛ حكمنا بإسلامه ابتداءً لا على الدوام.
ومعنى قولي (لا على الدوام) هذا احترازٌ مما إذا أتى المسلم بناقض من نواقض الإسلام، كأن يسجد لصنم مثلًا، فإذا سجد لصنم فإنه حين ذلك يكفر ويخرج من الدين وإن كان يشهد أن الله في السماء وأن محمدًا رسول الله، وكما قد ترك الصلاة مثلًا فإنه حينذاك قد دلَّت الأدلة على كفر قائلها وإن كان ممن يشهد بشهادة التوحيد بل ولو كان ممن يتلفظ بها في اليوم والليلة ألف مرة. ولو كان يتحاكم إلى غير شرع الله وإلى غير دين الله فهو كافرٌ خارجٌ عن ملة الإسلام وإن كان يصلي الصلوات الخمس ويحجّ البيت ويتلفظ بشهادة التوحيد ليله ونهاره.
أما طوائف الخوارج الغلاة الذين استباحوا دماء الأمة بالسيف؛ فقد قال لي أحدهم:"إنني ولو رأيت الرجل يصلي في المسجد وقد أعفى لحيته ووافق ثوبه السنة؛ فهو عندي على أصل الكفر حتى يتبيّن لي أنه يعتقد ما أعتقد".
وهذا باطلٌ واضحٌ البطلان، بل هو عين الضلال، وهو عين الزَّيغ الذي وقع بسببه أهل الضلال في هذا الذي وقعوا فيه.
(1) صحيح البخاري: (393) .