عن الصواب والصحيح الموافق لدين الله وشرعه من هذه المسائل داخلًا في الحزب الذي هاجمه وشنّع عليه وسمّاه بعد ذلك بحزب الغلاة.
نحن لا نختلف أن الله -تبارك وتعالى- قد نهى عن الغلو، ولا نختلف أنه ما من طائفة من طوائف المسلمين التي تنتسب إلى الإسلام إلّا وتَتَّهمُ غيرها من الطوائف بالكفر والبدعة والغلو والتنطُّع والتشدّد في الدين. كما أنّها قد تتهم غيرها بالتساهل في دين الله -تبارك وتعالى- وفي الأخذ بأحكامه. ولكن ما هو الضابط لهذا الخلاف؟ وما هو المُوجِّه والمُبيِّنُ لحقيقته؟
وهل يكون البيان والرد على مثل هؤلاء القوم -أعني الغلاة الذين سماهم- بحكاية أقاويلهم وما يذهبون إليه فحسب؟! أم أنّ الأمر يستدعي بيان الحق الذي قرّره الله تعالى في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وبيان ما لبّسه الملبِّسون وخلّطه المخلِّطون في هذا الحق، ليوهموا الناس أنه من الحق وليس الحق، فالأمر دائرٌ مع الدليل وجودًا وعدمًا.
لا ضير أن يدَّعي مُدَّعٍ على آخر أنه جانح إلى الغلو، أي مائل إليه أو داعٍ إليه مُتَبنٍّ للقول به. لكن الإشكال بل هو أصل الإشكال ومحلّه أن يُدلِّل على دعواه هذه بالدليل القاطع من كتاب أو سنة أو إجماع. أما أن يقول أن بداية الغلو تبتدئ بالقول بكفر الحاكم ليشمل بعد ذلك انتقال الحكم بالكفر على وزرائه ومفتيه ومساعديه، ثم يتدرَّج بعد ذلك في حكاية أقوالهم إلى أن يصل إلى تكفير آحاد الناس من المسلمين وعامّتهم؛ فمما أرى وأظن أنه إجمال شنيع وخطير.
ومن أراد أن يقف موقف الدفاع عن الحق فهو -بناءً على هذا التعميم الذي مضى ذكره- واقفٌ موقف الاتّهام؛ فمن أراد أن يدافع عن القول بكفر الحاكم المبدِّل لشريعة الله -تبارك وتعالى- وما يجب على الأمة بعد ذلك مما أوجبه الله -تبارك تعالى- من قتاله والقيام عليه وخلعه حتى يكون الدين كله لله؛ فهو كذلك واقف موقف الاتهام.
ثم هو بعد ذلك قد أدخل من يقول بهذا القول وهو مما تنازع فيه المتأخرون من أهل العلم، مع أن إجماع المتقدمين من الأمة قائم على أن المُبدل لشريعة الله -تبارك وتعالى- الذي يُشرِّع مع الله -عز وجل- قد نصَّب نفسه إلهًا مع الله -تبارك وتعالى-، وقد جعل نفسه لله -عز وجل- ندًا وشريكًا.