فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 141

اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [1] . فحقّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ملّة أبينا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وعلى رسل الله أجمعين،

هذا الأصل العظيم في دين الله -تبارك تعالى- هو الذي يجب على المسلم أن يعتني بتحقيقه، وحيث وجد الكفر بدين الله، وحيث وجد الطاغوت الذي أمر الله -تبارك وتعالى- بالكفر به؛ فاعلم أنّ من أول الواجبات على المسلم تحقيق هذا الأصل العظيم والركن الركين في هذا الدين.

فالدين كلّه يا عباد الله مداره على قول الله -تبارك وتعالى-: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [2] ، مدار الدين كله على هذه الآية؛ لأن دين الله -عز وجل- إما بيانٌ لسبيل أهل التوحيد وفي مقابله بيان لسبيل أهل الإشراك والكفر.

وإما أن يكون بيانًا للأحكام التي أوجبها الله -تبارك وتعالى- على وأهل التوحيد من أتباع هذا الدين وبيان الحرام والحلال، وفي مقابله ذِكر تلاعب الكفار والمشركين وأعداء هذا الدين بهذه الأوامر الربّانية وكيف أنهم أعرضوا عنها ونبذوها وراءهم ظهريًا وتحاكموا إلى تشريعات من صنع أفكارهم ومن وضع رجالاته لا قيمة لها في ميزان الله تعالى.

وإمّا أنه بيانٌ لما أعدّه الله -تبارك وتعالى- لأهل التوحيد في الآخرة من النُّزل العظيم والمقام في النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر في جنات ونهر، جعلنا الله -تبارك تعالى- من أهلها. وإما أنه بيان لحال أهل الكفر والريب والشك والنفاق الذين اعرضوا عن هذا الدين وحرَّموا ما أحلَّ الله وحلّلوا ما حرَّم الله، وما توعّدهم الله -تبارك وتعالى- في الآخرة من العقاب الأليم والعذاب الشديد، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجيرنا من عذابه بفضله ومنته ورحمته، آمين.

أقول: فدين الله -تبارك وتعالى- كلّه مبناه على هذا الأصل، ولو تتبَّعت آيات القرآن وسُوَرَه سورةً سورة وآيةً آية؛ فسترى تحقيق هذا الأصل العظيم بينًا واضحًا، لأن دين الله -تبارك وتعالى- كما قلت سابقًا جاء ليفصل

(1) سورة التوبة، الآية: 113.

(2) سورة الأنعام، الآية: 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت