فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 141

{إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي ظهر وبان على صفحات الوجوه وفلتات اللسان، {الْعَدَاوَةُ} والتي هي سبُّكم وتقبيحكم باللسان وحربكم بالسيف والسنان وبغضكم بالقلب والجنان، {وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} التي في قلوبنا ظهرت وبانت {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ؛ ففيه دليل على أن كل ما مضى ذكره وبيانه حتى الآن داخلٌ في مسمّى الإيمان الذي ينفع صاحبه عند الله -تبارك وتعالى-، وأنه لا يتحقق إيمانُ عبدٍ حتى يأتي بهذه الملة الإبراهيميّة التي أوجبها الله -تبارك وتعالى- على أنبيائه ورسله، وأمر نبينا - صلى الله عليه وسلم - باتباعها ومن ثمّ أُمرت هذه الأمة باتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الأصل العظيم والركن الركين من دين الله -تبارك وتعالى-.

ثم قال الله -عزّ وجل-: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ، قال أئمة التفسير -عليهم رحمهم الله- قد يعترض معترضٌ فيقول:"فإذا كان هذا هو الواجب على أهل الإسلام تحقيقه فما قولكم في استغفار إبراهيم لأبيه؟"، فأجاب الله -تبارك وتعالى- عن هذا السؤال فقال: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ؛ فهذا لا أسوة لكم فيه.

لأنّ الله -تبارك وتعالى- قد حكى في آية أخرى، فقال ربنا -تبارك وتعالى- عن إبراهيم: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [1] .

ولذلك تأمل كيف نهى ربنا -تبارك وتعالى- نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الاستغفار لعمّه المشرك أبي طالب كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث المسيّب بن حزن، وهو والد التابعي الجليل سعيد بن المسيب؛ فقد ورد في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - -والحديث طويل ومشهور- أراد أن يستغفر لعمّه المشرك، فقال له بعد موته ورفضه لشهادة التوحيد: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) [2] فنزل قوله الله تعالى يقول لنبيّه: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * مَا كَانَ

(1) سورة التوبة، الآية: 114.

(2) صحيح البخاري: (1360) ، صحيح مسلم: (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت