للأمة تشريعًا واحدًا مساويًا لشرع الله فضلًا عن أن يكون خير منه أو أفضل منه؛ لما استطاعوا ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، فهذا هو بيان عيبها وهذا هو شتمها الذي هو من ملة إبراهيم.
فلا يُلبّس عليك أولئك المغرورون المخدوعون الذين يقولون إن الله -تبارك وتعالى- قد نهانا عن عيب آلهة المشركين، فعيب هذه الآلهة أنها لا تضرّ ولا تنفع، وفي زماننا نقول أن عيب هذه الأصنام البشرية التي تشرّع من دون الله -تبارك وتعالى-، والتي نصّبت أنفسها ومن معها حكامًا يُحلِّون ما حرَّم الله ويحرّمون ما أحلّ الله؛ عيبهم وفضح عوارهم وكشف زيفهم وكفرهم وبطلانهم وتحذير الناس منهم ومن الركون لهم ومن مناصرتهم والدخول في طوائف أحزابهم وموالاتهم؛ هذا هو من أوجب الواجبات في دين الله -تبارك وتعالى-، ولا يتحقّق لعبدٍ توحيدٌ وإيمانٌ إلا به، نسأل الله -تبارك وتعالى- السلامة والعافية.
فأقول، قال رّبنا -تبارك وتعالى-: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي ظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان، وانظر كيف ذكر الله تعالى البَيْنَيْن فقال: {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} ؛ وذلك لزيادة التَّفرقة والإبعاد، وزيادة التحقيق من أمر المفاصلة، {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} ، فالذي بدا أولًا هو العداوة وقدّمها ربّنا -تبارك وتعالى- على البغضاء؛ لأنّ العداوة أمرٌ لا يتحقّقُ إلا بإظهاره، أي إلا أن يُظهره صاحبه، ولذلك قال الأئمة -رحمهم الله-:"عداوة هؤلاء الكفار والمشركين سبُّهم وتقبيحهم باللسان وبغضهم بالقلب والجنان وحربهم بالسيف والسنان، هذه هي عداوة المشركين".
ثمّ تأمّل كيف قال ربنا -تبارك وتعالى-: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} فالعداوة هي فاعل (بدا) ، والعداوة هي أمر لا يتحقَّق إلا بإظهاره، ثم قال: {وَالْبَغْضَاءُ} ؛ فكأنّهم لشدّة بُغضهم لأعداء الله ظهرت البغضاء -التي محلُّها القلب- بَدَت ولاحت وتمثَّلت في هذه العداوة التي قدَّمها ربنا -تبارك وتعالى- في هذه الآية.
والعداوة هنا أبدية إلا بشيء واحد؛ {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، فإذا تحقَّق الإيمان بالله -تبارك وتعالى- وحده فعند ذلك أنتم إخواننا، وقوله: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فيه إشارة إلى أنّ جميع ما مضى ذكره من أصول الملة الإبراهيمية في هذه الآية داخلٌ في مسمّى الإيمان الذي ينفع صحابه عند الله تعالى.