فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 141

إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [1] . هذا حكاه الله -سبحانه وتعالى- عن أهل الشرك وفيه إيماءٌ وتنبيهٌ لأهل التوحيد بأنكم أولى بالصبر على دينكم وتوحيدكم والذبّ عنه والتحمّل للأذى في سبيل الله -تبارك وتعالى- من أجل نصره ونشره؛ أنتم أولى بذلك الصبر من صبر أولئك المشركين على آلهتهم.

فكذلك هنا نبّه ربّنا -تبارك وتعالى- إلى ما يجب على المسلم من إظهار العداوة لأهل الكفر حتى يشارُ إليه بالبنان، وحتى يُعرفَ المسلم بعداوته لأهل الكفر الذي يحادُّون الله ورسوله، فيقال كما كان يقال عن ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه:"هذا الذي كان يذكر آلهتكم بسوء"، هكذا حكى الله -سبحانه وتعالى- عنه.

وقد روى الطبراني من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف بالبيت فأتاه قومٌ من قريش فأخذوا بمجامع ثيابه ثم قالوا له: (يا محمد أأنت الذي تسبّ آلهتنا وتسفّه أحلامنا وتعيب آراءنا؟) ، فقال: (نعم أنا الذي أسبّ آلهتكم وأسفّه أحلامكم وأعيب آراءكم) [2] .

وهكذا حكى الله -سبحانه وتعالى- عنه وعن من معه، وهكذا حكى ربنا -تبارك وتعالى- عن المشركين فيما يقولونه في حقه: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [3] ، فقد كان معروفًا عندهم بعيب الآلهة.

وعيب آلهة المشركين ليس المراد به سوى بيان أنّ هذه الآلهة لا تضرّ ولا تنفع، وأنهم اتّخذوها أربابًا تشرّعُ لهم مع الله -تبارك وتعالى- ما لم يأذن به الله، وإنّما اتخذوها ليحلّوا بها ما حرّم الله ويحرّموا ما أحلّ الله.

ولذلك لا يدخل على هذا الباب اعتراضٌ بقول ربنا -تبارك وتعالى-: {لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [4] ، فهذا إنما هو كما قال الأئمة -رحمهم الله- قالوا: هذا إنما هو نهيٌ عن السب المجرّد الذي لا فائدة فيه، وأمّا سبّ هذه الآلهة ببيان أنها لا تضرّ ولا تنفع وأن البشر لو اجتمعوا على أن يضعوا

(1) سورة ص، الآية: 6.

(2) أخرج الطبراني في المعجم الأوسط (9100) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال بعد أن سئل عن أشدّ المواقف على رسول الله مما رأى: (أشد ما رأيتهم نالوا منه أني رأيتهم تواعدوا له يوما، فأخذوا - وهو يطوف - فأخذوا بجامع ردائه، فقالوا: أنت الذي تسب آلهتنا، وتنهانا عما يعبد آباؤنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «نعم، أنا ذاك» )

(3) سورة الأنبياء، الآية: 36.

(4) سورة الأنعام، الآية: 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت