فأمّا قوله -عزّ وجل-: {كَفَرْنَا بِكُمْ} فهو تصريحٌ لهم بالكفر بهم وبمعبوداتهم التي يعبدونها من دون الله؛ إن كانت هذه المعبودات من غير ما لا يجوز للمسلم أن يبرأ منه كالملائكة والأنبياء والصالحين، وإلّا فهي كفرٌ بهم وبعبادتهم لغير الله -تبارك وتعالى- فحسب؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يتبرَّأ من أمثال الملائكة والأنبياء والصالحين الذين عُبدوا من دون الله -تبارك وتعالى-.
ثم قال الله -عزّ وجل-: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} ، قوله تعالى: {وَبَدَا} قال أئمة التفسير أي ظهر وبان على صفحات الوجوه وفلتات اللسان، وهذا هو شأن المسلم مع أعداء الله.
وانظر حينما أخاطبك بهذا وأتكلم فيه؛ فانظر وتأمل في أحوال أهل الإسلام اليوم، وانظر في حالهم مع أعداء الله وكيف يتعاملون مع هؤلاء المبدلين لشريعة الله، فإن الله تعالى يقول: {وَبَدَا} يعني ظهر وبان على صفحات الوجوه، فالوجه ينطق إن رأيته بالبغض لأولئك الذين يَعبدون غير الله والذين يُوالون غير الله، واللسان ينطق بسبهم وتقبيحهم وعيبهم وعيب آلهتهم.
فهذا هو شأن المسلم مع الكافر، وشأن المسلم مع أعداء هذا الدين؛ أنه إذا رأى عدوًا لله ورسوله تمعَّر وجهه واقشعرَّ جلده وغضب لله -تبارك وتعالى-، لا أن يتبسّم له وأن يداريه وأن يماره وينافقه؛ بل إن الله -تبارك وتعالى- قد ذكر هذا الشأن عن الكفار الذين يُعابون المسلمون، فقال ربنا -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [1] .
فبيَّن ربنا -تبارك وتعالى- أن البغضاء بادية ظاهرة على وجوه هؤلاء الكفار لأهل الإسلام والتوحيد، فواجب على أهل الإسلام والتوحيد أن يظهروا لهم من العداوة والبغضاء أشدّ مما يظهروه هم لأهل الإسلام والتوحيد.
وفي هذه الآية تنبيه وإشارة لأهل الإسلام إلى ذلك، كما أشار الله تعالى لأهل الإسلام بالصبر على دينهم وتوحيدهم بقوله -تبارك وتعالى- لهم حكايةً عن المشركين: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ
(1) سورة آل عمران، الآية: 118.