فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 141

ولهذا أمرت الشريعة بالمفارقة والزجر بالهجر، لأجل هذا الباب، ولأن كثيرًا من الناس يتعذَّرون بهذه الأعذار الدَّاحضة الباطلة التي لا قيمة لها في دين الله وفي شرع الله -تبارك وتعالى-، يتعذّرون بهذا وهذا لا قيمة له في دين الله -عزّ وجل-.

بل إنّ المسلم واجبٌ عليه أن يتبرّأ أولًا من صاحب الكفر قبل البراءة من كفره، وأن يتبرّأ من صاحب البدعة قبل البراءة من بدعته، وأن يتبرّأ من صحاب الفسق قبل البراءة من فسقه وفجوره.

{إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ فإذًا قدَّم البراءة منهم على البراءة من المعبود، ولا تتمّ البراءة والتي هي من أصول ملّة إبراهيم إلّا إذا تبرّأ من العابدين ومن المعبودين.

والشيء الآخر أن الله -عزّ وجل- إنّما قدّم البراءة من العابد لأنّ البراءة من العابد لغير الله واجبةٌ في كل حال وحين، وهي براءٌ كليّة، بخلاف البراءة من المعبود، فإنّ المعبود قد لا يجوز للمرء أن يتبرّأ منه وإنّما يتبرّأ من عبادته فلولا ذلك العابد ما عُبد.

فالملائكة عُبدت من دون الله ولا يجوز لمسلم أن يتبرّأ من الملائكة، ومن تبرّأ من الملائكة كفر، {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [1] ؛ فبيّن الله -عزّ وجل- أنّ البراءة من الملائكة كفرٌ مخرجٌ من الملة.

فأقول البراءة من العابد واجبٌ أن تكون براءة كلية بخلاف البراءة من المعبود فإنّ المرء قد يتبرّأ من عبادة ذلك المعبود ولا يتبرّأ من المعبود؛ إذا كان المعبود من الملائكة والأنبياء والصالحين الذين عُبدوا من دون الله، تبارك الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ثم قال الله -عز وجل-: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، وهذا كلّه مفعول لـ (قالوا) .

(1) سورة البقرة، الآية: 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت