فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 141

وقَبِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عُذره وقال لعمر -رضي الله عنه- لمّا قام يستأذنه في ضرب عنقه: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) .

ومع ذلك سمّى الله تعالى هذا الفعل موالاة وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [1] ، فنهى الله -عز وجل- عن تولِّيهم، وسمّى إلقاء الكتاب من حاطب إلى كفار قريش إلقاءً بالمودة، فقال: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} .

وإذا كان إلقاء كتاب حاطب إلى كفار قريش هو إلقاءً لهم بالمودة فما ظنّك بما هو أعظم من ذلك؛ مما سنبينه مما وقعت في الأمة في زماننا -كما ستراه بإذن الله عز وجل مبيَّنًا بدليله في محلّه-؟!

بعد هذه الحادثة أنزل الله -عز وجل- هذه الآيات ثم قال فيها: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .

{إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ} أي حال قولهم لقومهم، إذًا هو تصريحٌ بالقول: {إنا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ إذًا هو تصريحٌ لهم بالبراءة منهم، وانظر كيف قدّم الله البراءة منهم على البراءة مما يعبدون من دون الله؛ وذلك لأنّ البراءة من العابد تستلزم البراءة من المعبود، ولا يكون العكس مستلزمًا للعكس، أي لا تكون البراءة من المعبود مستلزمة للبراءة من العابد، فإنّك ترى كثيرًا ممن يداهن وينافق وُيماري؛ تراه يتبرّأ من المعبود، قد يتبرّأ الرجل من التشريعات والدساتير التي تحكم بلاد المسلمين وهي تناهضُ شريعة الله وهي تحادُّ الله وتحادُّ رسوله، ولكنه لا يتبرّأ من الحاكم بها، ولا يتبرّأ من الحاكم بها، ولا يتبرأ من القائم عليها، وهذا لا ينفعه، ولذلك قدَّم ربّنا تعالى الأهمّ في هذه الآية فقال: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} ، فالبراءة من الفاعل أولًا.

ولذلك إذا رأيت رجلًا يخالطُ صاحب البدعة والهوى ويُحبّه ويزُوره ويجالسه ويكرمه ويؤانسهُ ويؤاكله، وأنكرت عليه فقال لك:"إنّني أنكر بدعته وأبغض بدعته"، فقل له:"ولكنّك مخالطٌ له فأنت في حكم من أقرّ بدعته"؛

(1) سورة الممتحنة، الآية: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت