وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [1] ، وهذه الآية تتضمن معنى العزة والافتخار باتباع هذه الملة.
وهذه الملة الحنيفية التي عظّم الله -تبارك وتعالى- شأنها؛ بيّنها ربنا -تبارك وتعالى-، وبما قدّمنه من آيات تعلم أن اتباع هذه الملة واجب على هذه الأمة وأن المسلم لا يختار ذلك، لأنّ الله -تبارك وتعالى- قال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [2] ، {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [3] ، فقوله -عزّ وجل-: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فيه إيماءٌ وتنبيهٌ وإشارةٌ إلى أنّ من خالف هذه الملة الإبراهيميّة الحنيفة فقد زاغ عنها إلى الشرك، وخُشي عليه أن يقع فيه.
قال -عز وجل- واصفًا هذه الملة وذاكرًا إياها وآمرًا المسلمين باتباعها والاتساء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، وأمر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أن يأتسي بأبيه إبراهيم في هذه الملّة؛ فقال ربنا -تبارك وتعالى-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [4] ، و (إذ) وما بعدها في محلّ نصب حال، أي كان لكن فيهم أسوة حسنة حال قولهم لقومهم كذا وكذا، كما حكى ربنا -تبارك وتعالى- في هذه الآية.
وحكى ربنا -تبارك وتعالى- هذا بعدما حصل ما حصل من قصّة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-، وكلكم تعرفونها لما كتب إلى كفار قريش يخبرهم بعزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة، وأصل الحديث في الصحيحين من علي بن أبي طالب رضي الله وأرضاه، وهي قصة مشهورة لا حاجة لنا بالإفاضة في ذكرها وتتبُّع رواياتها، ولكننا نقول: أرسل حاطب هذه الرسالة فسمّاها الله تعالى موالاة مع أن حاطبًا اعتذر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
(1) سورة الأنعام، الآيات: 161 - 163.
(2) سورة النحل، الآية: 120.
(3) سورة النحل، الآية: 123.
(4) سورة الممتحنة، الآية: 4.