ليقرر أن حجّة إبراهيم حجةٌ تدحض كل باطل وكل قول زائف، ثم قال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} ، فبيّن -عز وجل- أنه قد رفع إبراهيم وجعل له لسان صدق في الآخرين بتحقيقه لهذه الملة الحنيفة القويمة.
وقال ربنا -عز وجل-: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [1] ، فإذًا هذه الملة الذي يرغب عنها هو الذي سفه نفسه وأعرض عنها، فالسفيه هو المُعرضُ عن هذه الملة وإن قال عنه الناس راشدًا، والراشدُ هو المتَّبعُ لهذه الملة وإن قال عنه الناس مجنونًا وسفيهًا.
وأنبياء الله ورسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كانوا متبعين لهذه الملة الحنفيّة القويمة، وهي أصل جميع الأديان السماوية التي أرسل الله بها الرسل وأنزل بها الكتب؛ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [2] .
فإذًا أمر ربنا -تبارك وتعالى- باتباع هذه الملّة لأنّ مُتَّبعها هو الراشد، وتحذيره من اجتنابها ومخالفتها لأن مخالفها هو السفيه، ولذلك يقول ربنا -تبارك وتعالى- مبينًا أنّ متَّبع الملة هو الراشد: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [3] ، ثم قال بعدها: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [4] ، إذًا آتى الله إبراهيمَ رُشده إذ قال لقوله ذلك، إذًا هو راشد لأنه تبرّأ مما صنعه قومه من عبادة غير الله -تبارك وتعالى-.
هذه الملة الحنيفيّة القويمة أمر ربنا -تبارك وتعالى- نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - باتباعها، فقال -عزّ وجل-: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
(1) سورة البقرة الآية 130.
(2) سورة النحل الآية 36.
(3) سورة الأنبياء الآية 51.
(4) سورة الأنبياء الآية 52.