تتمة الرد، وبه سنعرف الرد على ما أجمله في شريط (السلفيّة بين الولاة والغلاة) وأدخل القائل به في حزب الغلاة الذين ساق الشريط لذمّهم.
ثم يترتب على ذلك ممّا وقع فيه الخلاف؛ ما يجب على الأمة من وجوب قتال هؤلاء المبدِّلين لشريعة الله -تبارك وتعالى-، وسأذكر إن شاء الله -عزّ وجل- بعض ما أثاره المتكلم من شبهات حول هذه المسألة ونذكر الرد عنها -إن شاء الله تعالى-.
اعلم وفّقني الله تعالى وإيّاك لما يحبّه ويرضاه؛ أنّ دين الله -تبارك وتعالى- دينٌ فَصْلٍ لا هوادة ولا مداهنة ولا مهادنة فيه ولا ركون لأعداء الله -تبارك وتعالى-، فإن هذا الدين قد جاء ليفرّق المسلم عن غيره، وليميِّزه عن غيره في كل صغيرة وكبيرة.
ولذلك فلو تتبَّعت أحكام الدين والشريعة لوجدتها قاضيةً بهذه المسألة التي نقولها قضاءً لا شكّ فيها ولا ريب؛ فالمسلم مأمور بأن يخالف الكافر في مظهره وملبسه ومأكله ومشربه ومنكحه، وأن يخالفه في معاملاته وفي آدابه مما جاءت الشريعة بأمر المسلم بمخالفة الكافر فيه، وهو مأمور بأن يخالف المبتدع وأن يهجره، كما هو مأمور بهجر الفاسق واجتنابه، كل ذلك حتى يتميز المسلم عن غيره في كل صغيرة وكبيرة.
والأدلّة على هذا المقام كثيرة في كتاب الله -تبارك وتعالى-؛ فإن الله -عز وجل- حكى لهذه الأمة ملة أبيها إبراهيم التي أوجب عليها أن تتَّبعها وأن تعمل بها، وبيّن -عز وجل- مُعظِّمًا أمر هذه الملة فقال -تبارك وتعالى-: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [1] ، فهو تعظيم لأمر هذه الملة، وهو أولًا أن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا.
ثم قال تعالى في آية أخرى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [2] ، فمن الذي آتى إبراهيم حجته؟ هو ربُّنا -تبارك وتعالى-، وأضافها إليه -تبارك وتعالى-: {حُجَّتُنَا}
(1) سورة آل عمران، الآيات: 67 - 68.
(2) سورة الأنعام، الآية: 83.