ولكن خرج علينا من المرجئة المتأخرين بل من غلاتهم من يقول لنا ذلك، بل من يقول لنا أن سبّ الله ورسوله واستهزأ بآياته وكتابه واستهزأ بالمؤمنين من عباده لإيمانهم؛ فإنه لا يكفر حتى ننظر في حقيقة اعتقاده وقلبه لأنّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله) وأنكر على أسامة: (أوشققت عن قلبه؟) ، لأن أسامة قال له: (إنما قالها متعوذًا) ، وهذا قول باطل غير صحيح.
بل هو -أعني حديث أسامة- حجّة بما نقول؛ وهو أن الرجل يعاملُ بظاهره، إذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة عدوله عن الظاهر إلى الباطن، فالباطن أمرٌ غيبيُّ لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي لأحد أن يعدل من الظاهر إلى الباطن.
فنقول: كلمة التوحيد التي تلفّظ بها ذلك النصراني الكافر كان منه فعلًا يدلّ على خروجه ابتداءً من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام؛ فوجب الكفّ عنه دون البحث عن باطنه، إذ أنّ باطنه موكول إلى الله تعالى.
ولذلك لو أنّ رجلًا كان يُبطنُ حقيقة الكفر وأظهر بيننا الإسلام والإيمان وشهد الصلوات الخمس ونافقنا ثمّ مات؛ فأين ندفنه؟ ندفنه في مقابر المسلمين ويجب علينا أن نصلّي عليه وإن كان يُبطن خلاف ذلك.
فالحديث دليل على أن الأصل معاملة الناس بظاهرهم، وسنزيد ذلك بيانًا إن شاء الله -سبحانه وتعالى- عندما نتكلم عن وجوب مفاصلة هؤلاء الذين بدّلوا شريعة الله، وما يترتب على ذلك من أحكام.
أمّا حديث حذيفة -رضي الله عنه-؛ حديث: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك، كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها) .
فالجواب على ذلك أنّه على فرض صحّة الحديث المذكور-وإن كان في صحته مقال- فإنّنا نقول: إن هؤلاء القوم قد دُرِس الإسلام من بينهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه