فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 141

تعالى، وقد كان أبو جهل يقول: (والله إنّي لأعلم أن محمدًا صادق) ، كان يصرّحُ بذلك، وقال الله تعالى كما سبق وذكرنا: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [1] .

إذًّا قولها: (الله في السماء) ، وقولها (أنت رسول الله) ، إنّما هو علامة من علامات الإسلام، ولذلك نقول أنّ هذا الحديث دليل على أنّ من أظهر لنا علامة من علامات الإسلام وهو مستور الحال حكمنا عليه بالإسلام حتى يظهرَ منهُ ما ينقضهُ ويخالفه، فحين ذلك نحكمُ عليه بذلك النَّقيض والمخالف.

ولذلك لو رأينا رجلًا يشهدُ الصلوات الخمس ولا نعلم عنه إلا ذلك؛ حكمنا عليه بالإسلام، ولو رأينا رجلًا يحجُّ بيت الله -عز وجل- حكمنا له بالإسلام حتى يظهر منه خلاف ذلك، وكذلك من شهد أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن شهد أن الله في السماء، ومن شهد أن دين الإسلام حق؛ حكمنا له بالإسلام، فهذه علامات من علامات الإسلام وليست هي أصل الإسلام الذي يُفارق به العبد الكفر ويدخل في الإسلام والإيمان. فينبغي أن ينُتبه لهذا، ومما نبّه عليه الإمام الخطابي في (معالم السنن) [2] ، فتنبه له فإنه مهم.

وأما حديث أسامة -رضي الله عنه وأرضاه- فإنّما أنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنّ أسامة انتقل من التعامل بالظاهر إلى المعاملة بالباطن، فإنه قال: (يا رسول الله إنما قالها متعوذًا) ، وهو لا يدري ذلك -رضي الله عنه-، فأنكر عليه - صلى الله عليه وسلم - أنه انتقل من معاملته بالظاهر إلى معاملة بالباطن، وذلك أنه لمّا أظهر كلمة التوحيد وكانت هي الحدَّ الفاصل بالنسبة للكافر الأصليّ بين الإيمان الكفر وقالها وكانت هي أول ما يخرج به العبد من الكفر ويدخل به في الإسلام؛ وجب على أسامة أن يكفّ عنه حتى يظهر منه بعد ذلك ما يخالف ذلك.

وليس معناه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة ذلك لأن الإسلام كله هو قول (لا إله إلا الله) ؛ فإنه لا يُعقل أن يقول المرء (لا إله إلا الله) ثمّ بعد ذلك يسبُّ الله ويسبُّ رسوله ويشتم دين الله -عزّ وجل- ويغير شريعة الله ثم يبقى بعد ذلك على إيمانه وإسلامه!.

(1) سورة النمل، الآية: 14.

(2) يقول الإمام الخطابي في معالم السنن (1\ 222) :"هذا السؤال عن إمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وصفة حقيقته ولو أن كافرا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يَصِر به مسلمًا حتى يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتبرى من دينه الذي كان يعتقده."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت