صدقة ولا نسك، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها") [1] ."
هذه الأحاديث وما جرى مجراها استدلّ بها القوم على أن الحاكم المُبدّل لشريعة الله لا يكفر ما دام يتلفّظ بالشاهدتين.
واعلم أن حديث الجارية وأن حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهم أرضاهم أجمعين- لا دلالة فيه على هذا البطلان الذي ذكروه، لأنّ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للجارية: (أين الله؟) وقولها: (في السماء) ، وقوله (من أنا؟) ، فقالت: (أنت رسول الله) ، ليس هو الإسلام الذي يخرج به المرء من الكفر؛ بمعنى لو أنّ رجلًا من كفار قريش أو من النصارى جاء فقال:"أشهد أن الله في السماء وأن محمدًا رسول الله"واكتفى بذلك بعد ذلك؛ أيصحّ منه إسلامٌ أو إيمان؟ لا يصحُّ منه هذا، ومن قال ذلك فقد أتى بأبطل الباطل وأمحل المحال.
فإذًا قوله للجارية (أين الله؟) فقالت: (في السماء) وقوله لها: (من أنا؟) ، فقالت: (رسول الله) ؛ إنّما هو علامةٌ من علامات الإسلام، وليس هو الإسلام الذي يصير به المرء مسلمًا ويفارق الكفر، ولا يعني ذلك أن من شهد أنّ الله في السماء وأن محمدًا رسول الله ثم جاء بعد ذلك من الفعل ما هو مناقضٌ لصريح الإسلام بل ما ينقض أصلحه من التحاكم إلى الطاغوت ومن تبديل شريعة الله ومن سبّ الله وسبّ دينه ورسوله، لا يعقل أن يقال عنه بعد ذلك مسلم.
بل إنّ أبا جهل وكفّار قريش كانوا يعتقدون أن الله في السماء، وكانوا يعلمون أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنّهم بعد ذلك أعرضوا عن اتباعه، وسبب إعراضهم هو الكبر والامتناع عن متابعة الحقّ الذي جاءهم من عند الله
(1) مستدرك الحاكم (8460) سنن ابن ماجة (4049) ، والحديث صحّحه الألباني وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه:"إسناده صحيح .. وقد صحح إسناده البوصيري في"مصباح الزجاجة"ورقة 254، وكذلك الحاكم، ووافقه الذهبي، وقوى إسناده الحافظ في (الفتح) 13/ 16".