فبيَّن -سبحانه وتعالى- أن شأن هؤلاء الكفار المشركين من مشركي العرب كانوا إذا زرعوا زرعًا أو كانت عندهم دواب جعلوا نصيبًا من الحرث ومن الدواب لله -عز وجل-، ونصيبًا لغيره، وكذلك الأنعام يجعلون نصيبًا منها لله تعالى ونصيبًا لغير الله.
وكانوا على حدّ زعمهم يُحرّمون بعض هذه الأشياء لله -تبارك وتعالى-، كما قال تعالى حاكيًا عنهم منكرًا عليهم: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [1] ؛ افتروا على الله الكذب بهذا التحليل والتحريم، فهؤلاء بفعلهم هذا جعلهم الله -سبحانه وتعالى- مشركين؛ مشركين بهذا الفعل لا مشركين بالقول والاعتقاد كما يقول بعضهم أنه لا يكفرُ الرجل ولا يُشرك إلا إذا رجع أصلُ كفره إلى الاعتقاد -كما سنبيّنه ونفصّل في بيانه إن شاء الله تعالى-.
فهؤلاء أهل الشرك والكفر جعلوا لله -تبارك وتعالى- نصيبًا من الأنعام؛ فجعلوا له البحيرة؛ والبحيرة هي التي كان يُمنع حَلْبُها، فكانوا يمنعون حلبها ويقولون هذه لآلهتهم أي لطواغيتهم التي يعبدونها من دون الله، فلا يجوز لأحد من الناس أن يحلبها.
أمّا السائبة فهي الأنعام التي كانوا يُسيّبونها أي يتركونها لآلهتهم ولا يُبيحون لأحد أن يحمل شيئًا على ظهورها. فهذا مما شرّعُوه من الأحكام التي ما أنزل الله -تبارك وتعالى- بها من سلطان.
وكذلك الوصيلة وهي الناقة التي تُبكِّر بأنثى وتُثنّي بأنثى، فلأنها وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر سمّوها وصيلة، فقالوا هذه كذلك لآلهتهم ولطواغيتهم.
وأما الحام فقد ورد تفسيره عند البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن المسيّب -رضي الله عنه وأرضاه-:"وَالحَامِ: فَحْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ المَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ، وَأَعْفَوْهُ مِنَ الحَمْلِ، فَلَمْ يُحْمَلْ"
(1) سورة الأنعام الآية 103.