{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} ؛ صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فكلّ حكم من الله -عزّ وجل- وكل ما أمر الله -تبارك وتعالى- به فهو عدلٌ منه سبحانه، وكل ما نهى عنه فهو عين الظلم، والله لا يأمر بشيء إلا لما فيها مصلحة العباد، ولا ينهى عن شيء إلا ما في فعله وتحصيله من المفسدة.
فقال الله -عزّ وجل- في بداية الآية {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} ؛ فالكتاب فصَّل أحكام الدين وفصَّل أحكام الشريعة، وبيّن الحلال وميّزه عن الحرام، كما قال نبيّنا - صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن) [1] ، فالحلال بيّنه الله وهو ما أحلّهُ الله، والحرام بيّنه الله وهو ما حرّمه الله، فبعد نزول هذا الكتاب وبعد تفصيل هذه الأحكام؛ أيوجدُ أحدٌ غير الله -عزّ وجل- يُشرّعُ للأمّة أحكامها إلّا إذا جعل نفسه لله ندًا وشريكًا؟
فأنكر الله -عزّ وجل- اتخاذ حَكَمٍ غيره يحكم في الأمر والنهي وفي التحليل والتحريم، فالأحكام قد فُصّلت وتَمّت، فدلّ هذا على أنّ من جعل نفسه لله -عزّ وجل- شريكًا في التحليل والتحريم فقد جعل نفسه ربًا، وقد أتى بما لم يأتِ الله -عزّ وجل- به، لأن الله قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} ؛ قال أئمتنا -رحمهم الله-: (صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام) ، فكل خبر ناقض لخبر الله وخبر رسوله فهو باطل ردّ، وكل حكم خالف حكم الله وحكم رسوله فهو باطل رد، ومن فعل ذلك فقد جعل نفسه ربًا وشريكًا لله -سبحانه وتعالى- في ألوهيته وربوبيته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ثم يقول ربنا -تبارك وتعالى-، وهي من أعظم الآيات الدالة على أن الحكم له وحده، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك معه غيره، وأن من فعل ذلك فقد اتخذ مع الله ندًا وشريكًا، قال -عز وجلّ- في بيان ذلك: {وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [2] .
(1) صحيح البخاري: (52) ، صحيح مسلم (1599) .
(2) سورة الأنعام، الآية: 136.