ومنه كذلك ومن أشده وأعظمه بيانًا ما ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر ابن عبد الله وكذلك من قصة عبد الله بن عمر؛ في قصة الخروج إلى غزوة تبوك، لما مرّ -صوات ربنا وسلامه عليه وعلى رسل الله أجمعين- بالِحجر ديار ثمود، واستقى صحابة نبينا - صلى الله عليه وسلم - من البئر التي كانت تردها ناقة ثمود وتشرب منها وعلفوا بالماء العجين، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُريقوا ما استَقَوا وأن يعلفوا الإبل العجين، مع أن الغزوة كانت غزوة العُسرة، وكان الحرُّ شديدًا وحاجتهم إلى الماء شديدة، ومع ذلك أمرهم أن يريقوا هذا الماء وأن يعلفوا الإبل العجين، وقال لهم: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم) [1] .
فيا عباد الله: صحابة نبينا يخرجون معه في غزوة تبوك لقتال الروم ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها، ثم يقول لهم - صلى الله عليه وسلم: إن دخولهم على ديار هؤلاء المعذَّبين دون أن يكونوا باكين مُعرِّضٌ لإصابتهم بما أصاب قوم ثمود، فأين عقول هؤلاء البشر؟ وأين من يُعين هؤلاء المبدلين لدين الله -تبارك وتعالى- ولشريعته ويناصرهم ويذودُ عن حِماهم ويذبُّ عن حياض كفرهم؛ أين أولئك من صحابة نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي حذّرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك؟!
وهو مصداق قول ربنا -تبارك وتعالى- لما ذكر عذاب قوم، فذكر من أسبابه فقال: {وسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [2] ؛ فذكر من أسباب عقوبة هؤلاء القوم أنهم خالطوهم في دياره وأنهم سكنوا في مساكنهم، مع أنهم لم يفعلوا فعلهم.
وقلت لكم سابقًا حديث ابن عباس -رضي الله عنه- في البخاري الذي فيه ذِكر قصة الذين أسلموا في مكة ولم يهاجروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وماذا كان من شأنهم وحالهم، وما أنزله الله -تبارك وتعالى- من قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [3] ، قال ابن عباس: (أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يأتي السهم فيرمى به
(1) صحيح البخاري: (433) .
(2) سورة إبراهيم، الآية: 45.
(3) سورة النساء، الآية: 97.