فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 210

نعم، الخلاف في أصول الدين والاعتقادات - وإن كان منهيًا عن الوقوع فيه ابتداءً بما أوجبه الشارع فيه من الرجوع إلى الكتاب والسنة والوقوف عند ما وقف عنده الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة المفضلة - إلا أنه قد يصير خلافًا مطلوبًا واجبًا محمودًا متى خرجت فرقة من الفرق عن عقيدة السلف أهل السنة والجماعة رحمهم الله؛ كالخلاف بين أهل السنة والخوارج من جهة، وبين أهل السنة وطوائف المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من جهة أخرى، وإن كان الواجب التفريق أيضًا بين أثر الخلاف المذكور على ما أوجبه الله تعالى من زجر المبتدع بهجره والتحذير منه، وبين أثره على ما أوجبه الله تعالى من المناصرة في الدين المنعقدة بأصل الإخوة الإسلامية، وبالله وحده التوفيق [[1] ].

(1) ها هنا جملة من الحقائق نود الإشارة إليها لتساعد في تكامل أسباب الفهم ومقومات الوعي لدى القارئ الكريم، وإن كانت بحاجة إلى المزيد من التفصيل والذي أرجو أن تأتي عليه فصول الكتاب، وبالله التوفيق:

الأولى: أن أعداء الإسلام وعلى مرِّ التاريخ لم يفرقوا في استباحة دماء المسلمين بين مسلم ومسلم، ولم يكن لما يدور في الساحة الإسلامية من الخلافات أثر في ذلك يذكر، وإنما الميزان الذي يزن به؛ من الذي هو معه ومن الذي هو عليه؟! كما وقع في الأندلس وبلاد المغرب العربي ومصر وبغداد والشام والهند وما وراء النهر، وكما يقع اليوم والشواهد تضيق عن الحصر.

الثانية: كانت الفرقة - دائمًا - وترك المسلمين مناصرة بعضهم بعضًا من أهم أسباب سقوط الممالك الإسلامية بيد العدو، فالحملة الصليبية الأولى على بلاد فلسطين - مثلًا - التي كانت سنة 492 لم تجد جيشًا من المسلمين يقاتلها، بل وجدت مدنًا مكشوفة خالية من كل تحصينات الدفاع وإن كان بعضها محصنًا خلف الأسوار، وما كانت النجدة تتم إلا من خلال تدفق المتطوعين إلى داخل المدن، فإذا وقعت مدينة تحت الحصار كان عليها أن تواجه الغزاة وحدها بما يتوفر لأبنائها من قدرة على القتال ولسكانها من قدرة على الصمود، وأما الغزاة فكانوا يوجهون قوتهم كلها إلى الحصار والهجوم دون خشية هجوم كثيف من قوة مساندة أو مستغلة لفرصة انشغالهم بالحصار [انظر كتاب القاضي الفاضل عبد الرحيم البياني العسقلاني، لهادية دَجَاني: ص3] .

ومثال هذا ما وقع في الأندلس، فقد سقطت الدولة الأموية عام 422: وفي [الاستقصا: 1/ 1/282] أن دولة بني أمية في الأندلس انقرضت عام 407 وتلتها دولة بني حمود لمدة سبع سنين إلى أن نسخ ابن تاشفين ملك الطوائف، ليبدأ عصر ملوك الطوائف إلى عام 484 والذي تجاوز عدد ملوكه 20 ملكًا، وجاء المرابطون عام 483 ثم سقطوا وعاد ملوك الطوائف بعدد ما في الأندلس من مدن! ثم دخل الموحدون الأندلس بانتصارهم في موقعة الأرك عام 591، وخرج الموحدون بعد موقعة العُقاب، وأعلن ابن هود نفسه حاكمًا لأكثر بلاد الجنوب، وبموته انتقل حكم الأندلس إلى بني نصر - بني الأحمر - آخر ملوك الطوائف في الأندلس عام 636.

من أمثلة ترك النصرة بسبب الخلاف؛ أنه في عام 718 حاصر الطاغية"بترة بن سانجة"غرناطة، فبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، فقدم عليه وفدهم من وجوه الأندلس وصلحائها يستصرخونه فلم يجبهم وأخفق سعيهم ورجعوا منكسرين، وطال مقام الفرنجة على غرناطة وطمعوا في التهامها، حتى نفَّس الله تعالى عن مخنقة المسلمين ودافع بقدرته عنهم في وقعة كانت من أغرب الوقائع بقيادة عثمان بن أبي العلاء الذي كان يتولى مشيخة الغزاة في الأندلس، فانهزم جمع الطاغية وأسرت زوجه وأولاده وبلغ السبي سبعة آلاف نفس وقتلى العدو خمسين ألفًا، وكان من بينهم سبعة من ملوك الفرنج الذين شاركوا في الحصار! فانظر هذا الخبر المُعْجِب [في الاستقصا: 1/ 3/109] .

وكان أهل الأندلس من قبل في سنة 673 قد استنصروا بالسلطان يعقوب بن عبد الحق المريني، وهو والد السلطان أبي سعيد المذكور، فنصرهم وجاز إلى الأندلس برسم الجهاد مرارًا، وسنأتي على ذكر أمثلة أخرى عند الكلام على ذم الخلاف - إن شاء الله -

فليستمع ملوك الطوائف اليوم! وليتعظ الناصح ويتدبر العاقل في حال هؤلاء الذين كانوا لا يعين بعضهم بعضًا؛(وهكذا وقع أيام الحملات الصليبية التي تسمى استعمارًا! قبل نحو قرنين من الزمان لم تكن أمة من الأمم تحرك ساكنًا لما يصيب أمة أخرى، فلا مسلمو الهند والشام يحركهم جنود الإنجليز الذين يضربون في أرض مصر ذهابًا وإيابًا، ولا أهل مصر يحركهم ما يجري في بلاد المغرب، ولا المغربي يأبه لما يقع من سفك للدماء في بلاد المشرق، ولا بما يحل بها من المصائب والرزايا!

وذكر جمال الدين الأفغاني في [الخاطرات: ص195] أن أهل بلوشستان كانوا يرون حركات الإنجليز وعبثهم في أفغانستان وينظرون إلى ذلك ولا يجيش لهم جأش ولا تبدو لهم غرة - كذا في المصدر ولعلها غيرة - على إخوانهم، والأفغانيون كانوا يشاهدون تدخل الإنجليز في بلاد فارس ولا يضجرون ولا يتململون وكلاهما يعلمان ما في الهند من ظلم وجور وفتك وسلب ولا يتحركون!" [عن كتاب الحرية أو الطوفان، لحاكم المطيري: ص261] ."

وماذا صنع الله بهم بعد ذلك جزاءً وفاقًا، فمن عام 636 إلى عام 668 استولى"فرديناند الثالث"ملك قشتالة النصراني على بلنسية وقرطبة ومرسية وأشبيليا، وحصروا المسلمين في غرناطة! وغرناطة هذه صمدت أمام الصليبيين قرنين ونصف قرن من الزمان - فتأمل واعتبر ولا تكن من الغافلين - لأسباب:

1)انحياز شجعان المسلمين إليها بعد سقوط المدن الأخرى، كما وقع للمسلمين في الشام في الحملة الصليبية الأولى، حيث انحاز كثير من مقاتلة المسلمين وشجعانهم إلى عسقلان وبعد سقوطها إلى الإسكندرية، فكان ذلك من أسباب المحافظة على المدينتين.

2)أميرها محمد بن يوسف بن نصر كان عربيًا من بني نصر، حازمًا عادلًا سخيًا كريم الخلق، فالتف الناس حوله وأحبوه.

3)انحياز كثير من أصحاب الكفاءات وذوي الخبرات من العلماء من المدن التي سقطت إلى غرناطة حيث عملوا على تقدم الصناعات وزيادة موارد الدولة.

4)المساعدات والمعونة والنصرة من دولة بني مرين؛ فتأمل في ثمرة هذا التعاون؛ حفظت غرناطة قرنين ونصف قرن.

5)موقع المدينة الحصين.

ثم تأمل أيها المحب في أسباب سقوطها بعد ذلك فإن تجارب المتقدمين مرايا المتأخرين:

أ) انغماس الدولة في الترف والنعيم، وانحطاط هممهم عن همم أسلافهم، وغفلتهم عن عدوهم المتربص بهم لانشغالهم بما بينهم من المنافسات والخلافات.

ب) الصراعات الداخلية بين الأفراد على الملك والرئاسة.

ج) سقوط دولة بني مرين في المغرب، الدولة الحامية لظهور المسلمين في الأندلس.

د) اتحاد مملكتي أراغون وقشتالة، حين تزوج"فرديناند"ملك أراغون من"إيزابيلا"ملكة قشتالة، وكان هدف هذه الوحدة القضاء على دولة بني الأحمر وتصفية الإسلام من الأندلس، فيا لله ويا للمسلمين.

الثالثة: تعرض المسلمون خلال تاريخهم الطويل إلى هجمات متعاقبة تعاقب أمواج البحر، موجة إثر موجة من أمم الكفر على وجه الأرض من العرب والروم والفرس والتتار والمغول والترك والبربر و"الاستعمار"القديم والجديد وحلفائه من اليهود ومع ما لحقه من الخسائر في كثير من الأحيان إلا أن هذه المحن كثيرًا ما كانت سببًا لرجوع المسلم إلى قيمه الحضارية بل وتمسك المجتمع المسلم بأصوله ومبادئه وتماسكه أيضًا بل كثيرًا ما خلفت الغزوات الخارجية الحركات الجهادية والمسلم المجاهد كرد فعل إيجابي على غياب الدولة والحضارة، وهذا على عكس الحضارات الأخرى التي يقابل فيها تدهور الدولة وانهيارها تفسخ الفرد وانحلاله، وهذا من أعظم الأدلة على الفرق المبين بين حضارة الإسلام وغيرها من الحضارات، وأن حضارة الإسلام التي تستمد تعاليمها ومقومات بقائها وانطلاقتها من الوحيين الشريفين هي الحضارة المؤهلة للبقاء وما سواها ليس لها سوى الزوال والفناء [انظر كتاب؛ حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، عماد الدين خليل: ص78] ، وأخرى جديرة بالاهتمام حَرِيَّةٌ بالنظر - أزيدك بها من الشعر بيتًا - وهي أنه حتى"الحركات الصوفية"التي كثيرًا ما كانت غائبة عن ميادين الحياة دفع الغزو الخارجي الكثير منها إلى جهاده ومقاومته، كما وقع زمن الحروب الصليبية وزمن السلطان محمود الغزنوي حيث احتاج السلطان إلى مشاركتهم في غزواته حيث كان الكثير من عامة المسلمين في الهند قبل إسلامهم يتبعون صنفًا من الفلاسفة رسخت فيهم أفكارهم واختلطت روح تلك الفلسفة بدمائهم فدخلوا الإسلام وتسربت معهم تلك الروح ونشأ بسببها في المسلمين الصوفية الإشراقيون وقدروا على ذهنية الهنود وصاروا يبعثون جماعات منهم سرًا وجهرًا إلى بلاد الهند حتى انتشروا وذاع مذهبهم واحتاج السلطان إلى مشاركتهم فكان أكابر شيوخ الطريقة يشاركون الغزاة في الجهاد لأن أعمال الجماعات السرية لا تنتظم إلا بهم، فقدم الشيخ محمد بن أحمد الجشتي الذي كان في السبعين من عمره في غزوة"السَّوْمَنات"، وكان إمامًا للطريقة الجشتية توفي سنة 411، كما كان لأبي الحسن الخرقاني أعمال في جهاد السلطان أيضًا [التمهيد، للسندي: ص302، عن النغمات الفارسية: ص298] .

ووقع نحو ذلك أيضًا من نحو أربعة قرون أيام العدوان الصليبي الأسباني والبرتغالي على بلاد شمال المغرب العربي، شارك في جهاده بعض شيوخ الصوفية وجماعات من أتباعهم، وهكذا وقع أيام الهجمة الغربية على بلاد المسلمين في بداية هذا القرن في أفريقية وفي جنوب شرق آسيا! الرابعة: التخذيل بين العدو وإغراء العداوة والبغضاء بين صفوفه وأحزابه شرعة ربانية وهدي نبوي! كما أنه أصل من أصول الخديعة في الحرب المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) ! ألا ترى قوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، كيف نبه سبحانه على هذا؟! جعل النصارى فرقًا بينها حرب شعواء، كما حصل في أوروبا فاقتتلوا دهورًا ودهورًا وأفنى بعضهم بعضًا أممًا وأجيالًا لأجل الدين والعقائد والملك والسلطان، حيث كان منهم فرق شتى؛ نسطورية ويعقوبية وملكانية وفرق أخرى كالبروتستانت والأرثوذكس اللتين ظهرتا بعد نزول القرآن، ومنهم من ينكر وجود المسيح، ومنهم من يرى أن هذه روايات وأباطيل! وبعضهم يعتقد أن الإنجيل لا يمكن أن يكون فيه خطأ كطائفة كنيسة التجمعات الإلهية وهي إحدى الطوائف النصرانية التي تطورت على إثر حركة إحياء جرت خلال بدايات القرن العشرين! ومثل هذه الثغرات والمنافذ في عدونا كثيرة لو انبعثت الهمم وتحررت الإرادات وانطلقت العقول من عقالات الأهواء وقيود وأغلال الخلافات التي تتبعثر بها الكثير من الجهود دون فائدة مرجوة!

وهاكَ الإشارة إلى بعض هذه الثغرات على سبيل المثال لا الحصر:

الصراع على عرش إنجلترا بين أسرة"يورك"وأسرة"لانكستر"والتي وقعت بسببه معركة عام 1485 في"بوزدرث فيلد"في"ليستر شاير"حيث كان ريتشارد الثالث مكروهًا من شعبه والكثير من نبلائه، فاتخذ"هنري تيودور"قرارًا بمقاتلته والتقيا في المعركة، ولقي الأول ومعظم أهل بيته مصرعهم، واعتلى"هنري تيودور"العرش وتوِّج باسم"هنري السابع" [الموسوعة العربية: 5/ 268] .

حرب خلافة العرش الأسباني والتي انتهت بنهاية معاهدة"أوترخت"سنة 1713 وأسست توازن القوى الأوروبية، وبها كسبت بريطانيا المستعمرات الأسبانية في جبل طارق ومينوركا [المرجع السابق: 3/ 311] .

معركة تَاوْتَنْ، وكانت معركة حاسمة في حرب الوردتين في أوروبا وقعت سنة 1461هـ، بعد وفاة"ريتشارد يورك"نصب ابنه"إدوارد"نفسه ملكًا لانجلترا على الرغم من وجود"الملك هنري"و"الملكة مارجريت"، وجرت بين الفريقين معارك انتهت بسحق جيش"لانكستر"وتحقيق النصر لصالح"إدوارد"بعد أن لحقت به تعزيزات حربية قادها"دوق نورفوك" [المرجع السابق: 6/ 42] .

حرب المائة عام التي كانت بين إنجلترا وفرنسا، في الوقت الذي كانت فيه الصراعات الداخلية تمزق فرنسا خاصةً في عهد تشارلز الخامس [1337 - 1380] ، والذي أنشأ جيشًا وبحرية وسيطر على النبلاء العنيدين واستأنف الحرب مع إنجلترا ونجح في ذلك نجاحًا كبيرًا، وفي عهد تشارل السابع [1403 - 1461] - والذي وضعه المؤرخون كواحد من أخطر المخلوقات - رفض الفرنسيون ادعاءات الإنجليز ومطالبهم بعرش فرنسا وأراضيها! [المرجع السابق: 6/ 307] .

الحرب الأهلية في إنجلترا حتى أصبح"تشارلز الأول" [1600 - 1649] ملكًا عام 1625 وحكم بدون برلمان وحاول إجبار الاسكتلنديين على استخدام شعائر إنجليزية في العبادة لكنهم ثاروا في عام 1639 مما اضطره إلى إنشاء برلمان عقد آخر جلسة له عام 1660، وحاول القبض على خمسة قادة من البرلمان فاندلعت الحرب الأهلية بين الملك من جهة والذي حظي بتأييد طبقة النبلاء والأغنياء ورجال الدين المسيحي بينما ساند التطهيريون وطبقة التجار البرلمان، وكسب هؤلاء الأخيرون معارك هامة في"مارستون مور"عام 1644م، و"نازبي"عام 1645م، وهرب على إثرها الملك إلى اسكتلندا وانتهت الحرب عام 1646، لكن الاسكتلنديين سلموا الملك إلى البرلمان وقبض الجيش على الملك لكنه هرب مرة أخرى وعادت الحرب الأهلية من جديد عام 1648 واستمرت بضعة أشهر انتهت بالقبض على الملك والحكم عليه بالخيانة العظمى وقطع رأسه عام 1649.

الحرب والصراعات بين إنجلترا من جهة وبولندا والدنمارك من جهة أخرى في عهد"تشارلز العاشر" [1622 - 1660] حيث أجبر الدنماركيين على التخلي عن أقاليمهم الجنوبية في السويد.

في عام 1700 قاد"تشارلز الثاني" [1682 - 1718] الجيوش السويدية ضد الدنمارك وبولندا وروسيا وهزمهم جميعًا، ثم قام بغزو روسيا! إلا أن"بطرس الكبير"هزمه عام 1709م وهرب الملك إلى الدولة العثمانية وحاول الاستعانة بها في الحرب ضد الروس! لكن فشلت خطته وعاد إلى السويد عام 1714 واستأنف الحرب مع الدنمارك وروسيا وقتل في إحدى المعارك في النرويج [الموسوعة العربية: 6/ 308] .

وكالصراع بين أسبانيا وتشيلي التي بقيت تحت الاستعمار الأسباني من عام 1533 واستمر نحو ثلاثة قرون حاولت الكنيسة الكاثوليكية خلالها تنصير اليهود في تشيلي وبسط سلطتها على شئون التعليم وامتلاك اقطاعيات شاسعة، حتى كان عام 1808م وأحكم"نابليون بونابرت"قبضته على أسبانيا وأطاح بالملك"فرديناند"السابع وتوج أخاه"جوزيف بونابرت"ملكًا على أسبانيا، ثم بدأت حركة الاستقلال في تشيلي واشتعلت النزاعات في داخلها بعد تكوين حكومة مستقلة عام 1811 دخلت على إثرها القوات الأسبانية الموالية لـ"فرديناند تشيلي"واستعادت السيطرة عليها عام 1814، مما حمل"كاريرا"و"أوهيجنز"على الفرار إلى الأرجنتين وعادا مع اللواء"سان مارتين"وقادا معركة ضد الأسبان، انتهت بالانتصار عليهم نهائيًا في معركة نهر"ماييو"عام 1818 [المصدر السابق: 6/ 370] .

ومثل هذا فيهم كثير جدًا من النزاعات الأممية والعرقية والثقافية والاجتماعية والدينية، وإلى يومنا هذا؛ بل إلى قيام الساعة كما قال تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... الآية} ، شتت الله شملهم وفرَّق جمعهم، وهكذا الشأن في اليهود فإنهم لا يقلون عن النصارى فرقة وشتاتًا بل هم أكثر منهم ولابدَّ تقطعًا واختلافًا كما قال الله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} ، وهاك صورًا من الصراعات الدائرة بينهم اليوم:

1)صراع اليهودي الشرقي"السفارديم"ضد اليهودي الأوروبي"الإشكنازيم".

2)صراع اليهودي الأوروبي الشرقي ضد اليهودي الأوروبي الغربي.

3)صراع اليهودي المتدين ضد اليهودي العلماني.

4)صراع اليهودي الذي ولد في إسرائيل وعاش فيها ضد اليهودي المهاجر الجديد الذي أتى إليها بعد قيام الدولة!

5)صراع اليمين الإسرائيلي ضد اليسار الإسرائيلي.

6)صراع طبقة الأثرياء اليهود ضد طبقة المحرومين منهم.

7)صراع اليهود العرب ضد اليهود الآخرين.

وأما الصراع داخل الحركات الدينية الإسرائيلية من جهة وبين الدينية والعلمانية من جهة أخرى، فلولا خشية الملالة وحذر السآمة أن تصيب القارئ لذكرنا من هذا العجب العجاب، فنكتفي هنا بالإشارة فحسب:

1)الأحزاب الصهيونية الأرثوذكسية تكون منها بعد قيام دولة اليهود وبعد عام 1967 خاصة:

أ) حزب"المزراحي"وحزب"العامل المزراحي"وظهرا قبل ولادة الدولة.

ب) الحزب الديني القومي"مفدال"ثم تقسم هذا إلى إحدى عشرة كتلة.

ج) حزب"تامي"قائمة تقاليد إسرائيل"وأبرز أفكار هذا الحزب والذي قبله ألا تقوم بين البحر ونهر الأردن إلا دولة واحدة هي دولة إسرائيل، واعتبار الجولان جزءًا منها."

د) كتلة موراشا - التراث - التي انشقت عن المفدال وهي من أكثر الحركات غلوًا.

هـ) حزب"ميماد"- معسكر الوسط الديني - أو اليهودية العقلانية.

2)الأحزاب الدينية"المسيحية"المعارضة للصهيونية - وكل هذه الاتجاهات المذكورة على تباين مشاربها وأفكارها يجمعها العداء لـ"دولة إسرائيل العلمانية"وتكفيرها ... ! -

3)الأحزاب الدينية"المسيحية"الأشكنازية؛ ومن أشهرها حزب أغودات إسرائيل، وهي منظمة عالمية دينية وسياسية لليهود المتشددين مبناها الأساس حل قضايا اليهود جميعهم وفق روح التوراة! وتأسس هذا الحزب في بولندا عام 1912.

4)القوى الدينية"الحريدية"غير الحزبية المعارضة للصهيونية، وهي جماعات تعادي الصهيونية وتكفِّر دولة اليهود! وتعيش في عزلة داخل المجتمع الإسرائيلي وهي طوائف أربع: الطائفة الحسيدية، والطائفة الحريدية، وطائفة"سماطر"الحسيدية، وجماعة"أنطوري كرتا"أهـ [من كتاب إسرائيل وهويتها الممزقة، لـ عبد الله عبد الدائم] .

فتأمل - يا رعاك الله - وانفُذْ ببصيرتك الربانية على رِسْلك حتى تنيخ أعيار اللؤم هؤلاء في سوح الجهاد مخذِّلًًا بينهم ما استطعت فإن هذا من الجهاد الذي أغفلناه نحن وقد علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم - نعيم بن مسعود رضي الله عنه - يوم الأحزاب وقال له: (خذِّل عنا ما استطعت) ، وليكن لك فيما يصنع العدو عبرة فهذه دول أوروبا على ما بينها من التمزق التاريخي يجمعها"اتحاد"واحد مع أمم الأرض الكافرة الأخرى من اليهود وغيرهم على حرب الإسلام وأهله،"مع أنهم اثنتا عشرة لغة مختلفة مع عشرات الثقافات والقوميات المتباينة بل المتباعدة أحيانًا، وتاريخ يعج بأنواع النزاعات والحروب ولم يمنعهم هذا رغم تباين السياسات والمصالح من الاجتماع على حد أدنى من الأهداف المشتركة والتعاون طلبًا لاجتماع الكلمة وقوة الشوكة! فيا مسلمون؛ ألا تعتبرون؟!"وهم منذ أزمان يفعلون هذا بالمسلمين يؤججون بينهم نيران الفتن وينفخون في كير العداوات والإحن حتى القديم منها كما فعل الحكم البريطاني في فلسطين واستغل عدم تماسك المجتمع الفلسطيني وتشرذم قيادته والخلافات العشائرية في سبيل تحرير سياساته ومنها سياسة دعم المشروع الصهيوني فعمل على إحياء صراعات بين العشائر كالصراع بين الحسينيين والنشاشيبيين أيام"الانتداب"! والذي لم يكن إلا استمرارًا وتأجيجًا لصراع القيسية واليمانية الذي انطلقت شرارته عقب الفتح الإسلامي لبلاد الشام بزمن يسير! [أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني: ص24، لعادل منَّاع] .

3)في 16/ 2/2002 وجه ستون مثقفًا أمريكيًا بيانًا إلى العالم الإسلامي يدور حول أحداث 11 أيلول/سبتمبر وما تلاها تحت عنوان"من أجل ماذا نحارب"، وفي 25/ 2/2002 أعلن رجل الدين الأمريكي! الشهير"بات روبرتسون"أنَّ المسلمين لا يريدون التعايش بل يريدون الهيمنة والتدمير، وكتب"مثقفو! العرب"في جواب ذلك"بيان التعايش"- وإن شئت فقل"بيان الخبز"، بعنوان؛"على أي أساس نتعايش"!

4)الإرهاب، العنف، التطرف،"الراديكالية"وتعني التطرف أيضًا ألفاظ تجري على ألسنة قادة الغرب مرادفة للإسلام - الذي يرفضه الغرب لا الإسلام المشوَّه الذي يريده - فليت شعري هل يريد هؤلاء نفس المعنى أم معنى آخر سواه وهو كما قيل في بطن الشاعر؟! والعجب أنَّ هذا التمرغ كله في أوحال الذلة والمهانة لم يزدهم إلا ذلة ومهانة ولم يزد الغرب إلا علوَّأً ونفورًا، وقارن بين دعوة هؤلاء المثقفين العرب! وفيهم مشايخ طبعًا - ولا تهمز مشايخ فإن همز المشايخ لا يجوز - إلى السلام العادل! وبين أقوال قادة الغرب الفوَّاحة حقدًا وكراهة للإسلام وأهله كقول رئيس الوزراء الإيطالي السابق"سيلفيو برليسكوني"؛ بأن الحضارة الغربية ستغزو كل الحضارات الأخرى وأنها متفوقة على الحضارة الإسلامية بما فيها الإسلام! - وسيقول المخلفون: اعتذر في 2/ 10/2001 - وكقول رجل الدين الأمريكي الصليبي"فرانكلين جراهام"في 18/ 11/2001:"إن الإسلام يهاجم الغرب، وإن إله الإسلام ليس هو إله المسيحيين، وإنَّ الله هو إله شرير وقاسٍ جدًا"، ومثل هذا كثير من الطعن والاستهزاء بالله وبرسوله وبالمؤمنين، ومن آخر ذلك تصريحات جُعل الفاتيكان"بنديكت السادس عشر"التي تطاول فيها على مقام الإسلام ومقام نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وذلك في 19/شعبان/1427، وإنما ذكرنا منها هنا ما كان زمن"البيان الخبزي"المذكور أو قبله بقليل ليعتبر الناظر، وليحمد الله تعالى أهل الجهاد على ما وفقهم الله إليه من العزة والكرامة الذين يصدق فيهم قول الشدَّاخ:

أبينا فلا نعطي مليكا ظلامةً ... ولا سوقةً إلا الوشيح المقوَّما

وأين من تعلو هامة همته الثريا في طلب المكارم ممن يضرَّسُ بالأنياب ويوطأ بالمناسم، ولن يلحق الفرس الحمار الموكفُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت