فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 210

على الرضا والمصافاة، فقدم الصلح لهذا لأنه يقع عن طيب خاطر، فيزول ما في النفوس وتلتئم القلوب، فإن خشي من تأخير القضاء تعاظُمَ الخلاف قدّمه.

-وفي الأمر بإصلاح ذات البين دليل على أن الواجب على المصلح أن يكون عارفا بحقيقة الحال ملما بأحوال المتخاصمين، متصورا للأمر على ما هو عليه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأنه إن أقدم عليه دون ذلك ربما كان ضرره أكثر من نفعه.

-تقديم الموعظة وما تلين به القلوب وتطيب به الخواطر بين يدي الصلح، ويتحين من ذلك أحسنَ الأوقات، كما دل عليه قولُه تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... } .

-وفي قوله: {وعلَى رَبّهِمْ يَتَوكَّلُونَ} تنبيه على أنه يتخير من الموعظة ما يناسب حال المتخاصمين والسبب الداعي للخصومة، لأنه لما كان اختصامهم لأجل الأنفال وهم الذين تركوا الديار والأهل والمال والولد لله تعالى، وبذلوا نفوسهم لنصر دينه ناسب أن يذكر التوكل على الله، فإن من خرج لأجل هذه الغاية العظمى لا يضيعه الله تعالى، فكيف يليق به منازعة إخوانه لأجل غرض من أغراض الدنيا التي تركوها لله تعالى؟!، ولهذا المعنى أيضا ذكر الإنفاق من صفات المؤمنين في سياق الآيات.

-وأما ذكر الصلاة، فلأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه الثلاثة ترجع إليها جميع الخصومات التي تقع بين الناس، وفيه دليل على أن اهتمام المجتمع والأمة بأمر الصلاة وإقامتها في المساجد والجماعات مما يسد باب الخصومات، وهكذا إقامة جميع أحكام الشرع.

-وعلى المصلح أن يكون هينا لينا، سمحا بشوشا، حليما رحيما واسع القلب والصدر، وليحتمل ما يلقاه من أذى في سبيل ذلك، فإنها مهمة الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} ، وقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فإن تحمل حمالة من مالٍ للإصلاح بين الناس - كدية ونحوها - وجب عونه من بيت مال المسلمين، فإن لم يكن بيت مال وجب على جماعات المسلمين في القرى والأمصار إعانته، ويحل له سؤال المال لأجل ذلك اتفاقا، كما قال ابن حزم رحمه الله: {اتَّفَقُوا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَوِيٍّ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ غَنِيٍّ إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً أَوْ سَأَلَ سُلْطَانًا أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ} .

-وفي ذكر صفات المؤمنين في السياق دليل على أن الإصلاح ينبغي أن يكون على قدم الصدق والمصارحة، فلا يجامل أحدا على حساب الحق، ولا يعد وعدا لا يقدر على الوفاء به، قال تعالى: {يَا أَيُّها الذِينَ آَمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت