خطر عظيم وشرّ مستطير، ولأن تقتَتل البادية والحاضرة حينئذٍ حتّى يذهبوا عن آخرهم لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض الحكم بشريعة الله.
واعتبر ذلك إن شئت؛ بموقف الصدّيق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة حتّى عُدَّ من أعظم فضائله رضي الله عنه أن ثبّته الله عند قتالهم، بل قال لعمر رضي الله عنه: (والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها) ، وقد قال عمر بعدها: (فوالله ما هو إلاَّ أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق) .
فائدة جليلة:
وممّا يدلّ على أنّ قتال المرتدين من أعظم القربات وأفضل مراتب الجهاد في سبيل الله؛ أنّ الصدّيق رضي الله عنه لم يشغله إنفاذُ بعثِ أسامة لغزو الروم كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قتالِ من ارتدّ من العرب، بل جهّز لحربهم وأعدّ العدّة لها حتّى إذا قدم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة، ومضى حتّى انتهى إلى الربذة يلقي بني عبس وذبيان وجماعة من بني عبد مناة بن كنانة فلقيهم بالأبرق، فقاتلهم، فهزمهم الله وفلَّهم، ثمّ رجع إلى المدينة، فلمّا جَمَّ جند أسامة ونابَ من حول المدينة خرج إلى ذي القصّة فقطع فيها الجند، وعقد الألوية، أحد عشر لواءً لقتال المرتدّين [1] .
تنبيه:
فإن قيل: فلِم لم يذكر الأئمة رحمهم الله تعالى هذا النوع من القتال في المواضع التي يتعيّن فيها الجهاد في سبيل الله؟!
قيل؛ لأمرين:
الأوّل: لأنّه بمعنى قولهم؛ (إذا نزلت الكفار ببلد تعيّن على أهله قتالهم ودفعهم) .
والثاني: لاختصاصه بأحكام كثيرة يُحتاج إلى بيانها، فأفردوه بكتب مستقلّة.
والله أعلم
(1) وانظر تفصيل هذه الأخبار في تاريخ الأمم والملوك للطبري، في حوادث سنة 11هـ.