فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 210

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألةٌ مُهِمّةٌ في الجهاد:[1]

رقم الفتوى: 56/ 50

وكتبَ في جوابِ مسألَةٍ تُعْرَفُ من السياقِ ما يلِي:

الحمدُ للهِ؛ وبعد: نَعَمْ يَجُوزُ لِلَمذكورِ بَعْدَ إسلامِهِ أنْ يَبْقَى فِي موضِعِهِ من الوزارَةِ في دارِ الحَرْبِ ما دامَ عَونًا للمسلمينَ وعَينًا لَهم كما ذكَرْتَ، ولا حَرَجَ عَليهِ في أنْ يُخْفِيَ إسلامَهُ وأنْ يُوهِمَهُم البقاءَ عَلى النصرانِيّةِ إذا اقتضتْ مصلَحَةُ الجِهادِ ذلكَ، لِعُمومِ قولِ النبيّ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ: الحرْبُ خَُدْعَةٌ، وكما دلتْ عليهِ قصةُ نُعَيمِ بن مسعودٍ في الخندَقِ؛ وغيرُها من الأدلّةِ التِي ذكرْناها في غَيرِ هذا الموضِعِ، وكوْنُهُ في رُتْبَةٍ عُلْيا من الوزارَةِ لا أثَرَ لَهُ في اختلافِ الحُكْمِ، بلْ قَدْ يقالُ إنّ ذلكَ أولَى؛ لأن النفعَ الحاصِلَ للمسلمينَ مِن بَقائِهِ أولَى، والاسْتِدْلالُ - الذي أشَرْتَ إليهِ - بولايَةِ يوسُفَ عليهِ السلامُ لِعزيرِ مصرَ لهُ وَجْهٌ، وفيهِ بَحْثٌ لا أطِيلُ بذكْرِهِ في هذا الموضعِ لأنّ الجوازَ لَيسَ مُتَوقّفًا علَيهِ.

ولا حرجَ عليهِ أيضًا أن يُسِرّ بالصلواتِ الخمسِ؛ وأن يجمعَ بيْن الظهرِ والعصر، أو المغربِ والعشاءِ كما ذكرت، فإن خافَ من أدائها وقتَ العملِ فلهُ أن يصلّيَها ولو خارجَ الوقتِ، وكلّ هذا مما دلتْ عليهِ السنةُ الصحيحةُ ولله الحمد.

لكنْ يَنْبَغي أنْ يكونَ بَقاءُ المذكورِ على الحالِ الذي ذكَرتَهُ بِقَدْرِ الضرورَةِ فحسْبُ، فما دامَتْ مصلَحَةُ الجهادِ تقتضي ذلكَ فلا حرجَ عليهِ إن شاء الله، فإن انقضتِ المصلحةُ المذكورَةُ وجَبَ عليهِ إظهارُ إسلامِهِ وأداءُ الصلواتِ في أوقاتِها، كحالِ المسلمينَ المقيمينَ في تلكَ البلادِ، فإن انقضتِ المصلحَةُ المذكورَةُ ولم يكنْ قادرًا على الإعلانِ بإسلامِهِ وإظهارِ دينِهِ وجَبَتِ الهِجرَةُ علَيهِ إلى حيثُ يأمنُ على دينِهِ ونفسهِ إن استطاعَ، فإن عجَزَ عنْها فليأتِ من الإسلامِ ما يستطيعُهُ، وليتحيّنْ الفُرصَةَ المواتِيَةَ للجهْرِ بهِ؛ أو الهجرةِ متى أمكنَتْهُ؛ ولا يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسْعَها.

وأما أخذهُ الأموالَ بالطريقِ الذي ذكرْتَهُ فلا يَحِلُّ، لأنهُ غَدْرٌ وَنقضٌ لِلعقدِ الذي أَبْرَمَهُ طَوعًا واخْتِيارًا، والغَدْرُ في دِينِ الإسلامِ حرامٌ لا يَجوزُ، والمذكورُ مُسلِمٌ مُخاطَبٌ بما يُخاطَبُ بِهِ المسلمونَ، وإن كانَ مُسِرّا بإسلامِهِ، وقد نَهَى اللهُ تعالَى عن ذلكَ وحرّمَ الخيانَةَ؛ وأمرَ بالوفاءِ بالعقودِ بقولِهِ تعالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقودِ} , وغيرِها من الآياتِ، وكونُ أَمْوالِ أهلِ الحربِ على أَصْلِ الإباحَةِ صحيح، لكنْ إنّما يَحِلُّ من ذلكَ مَا حصلَ بالأسبابِ التِي أجازَها الشرعُ؛ كالغنيمةِ؛ والفيء؛ والسلَبِ؛ والخدْعَةِ في الحربِ، وليسَ من ذلكَ ما يَحْصُلُ بالغدرِ وحيانَةِ العهودِ.

وما ذُكِرَ في السؤالِ مِن كَثْرَةِ الأموالِ، وأنَها لِمَصلَحةِ المجاهِدينَ؛ فَلا يُحِلُّ مِنها ما حَرّمَ اللهُ، والواجِبُ على المجاهِدينَ أينما كانُوا أنْ يَكونُوا أشدّ الناسِ التِزامًا بأحكامِ الشرعِ؛ وأبْعَدَهُم عن مواطِنِ الشبُهاتِ، فإنّ ذلكَ فَوقَ كونِهِ سببًا لمَرْضاةِ اللهِ تعالَى مما يُقَرّبُهُمْ إلى الخَلْقِ ويُحَبّبُهُمْ إلَيهِم، وَيُنْزِلُهُم عِندَ القريبِ والبَعِيدِ؛ والصديقِ والعَدُوّ مَنزِلَةَ مَن يَتَحَلّى بِحِلْيَةِ العَدْلِ وَالإنْصافِ؛ كما كانَ النّبِيّ صلى اللهُ عليهِ وسلم يُعْرَفُ بينَ قومِهِ بالصادِقِ الأمينِ معَ شِدّةِ عداوَتِهِم لَه!، وهذا

(1) لم نجدْ السؤالَ في أرشيفِ الفتاوي، فأثبتنا الجوابَ دُونَ السؤالِ لوضوحِهِ , (المشرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت