فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 210

مِن رُؤسِ الأموالِ التِي يَجِبُ على المجاهِدينَ المحافَظَةُ علَيها ما أمكنَ، ليَكَونَ الجِهادُ رِسالَةَ أخلاقٍ عُلْيا تَغْزُوا المسامِعَ والقلُوبَ؛ قبلَ أن تَغْزُوا الأسِنّةُ الأَرْواحَ والأبْدانَ، ولا أقْدَرَ على كَفِّ السيوفِ وإراقَةِ الدماءِ من كرائمِ الأخلاقِ!.

وقدْ قالَ النبِيُّ صلى الله عليهِ وسلمَ للمقدادِ لما صحبَ قومًا في الجاهِليةِ وغدرَ بِهم فأخذ أموالَهُم ثم جاءَ فأسلم: أمّا الإسلامُ فَقَدْ قَبِلْنَا وَأَمّا المالُ فإنّهُ مالُ غَدْرِ لا حَاجَةَ لنَا فِيهِ، فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم المالَ مع شدّةِ حاجَةِ المسلمينَ إليه؛ فدلّ على أن ذلك ليسَ عُذْرًا لِتَحْصيلِهِ بالطريقِ المذكور.

وأمّا ما ذكَرْتَهُ من تخذيلِهِ فِيهِمْ؛ وتثْبِيطِ هِمَمِهِمْ عن مُقاتَلَةِ المسلمينَ؛ وإغْراءِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَهُمْ؛ فَكُلُّ هذا مِما ثَبَتَ فِي الشرْعِ جوازُهُ، كما قالَ اللهُ تعالَى في كتابِهِ الكريمِ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ؛ وكما قالَ سُبحانَهُ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} ؛ ففي الآيَتَينِ إلْماحٌ إلى مشروعِيّةِ ذلكَ، وبَيانُ أصْلٍ من أصولِ الحرْبِ وفُنونِها، وحقيقةُ الإغراءِ أنْ تَحُثَّ الفَرْدَ أو الجماعَةَ على فِعْلِ أمرْ وتُزَيّنَهُ لَهُمْ حَتّى لا يَتَوانَوْا في تَحْصِيلِهِ، وهذا كما قالَ النبيّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لنُعَيمِ بنِ مَسعودٍ في الخَنْدَقِ: إنّما أنْتَ رَجُلٌّ واحِدٌ فَخَذّلْ عَنا ما اسْتَطَعْتَ!، فلَمْ يَزَلْ باليهودِ وقريشٍ يُحَرّشُ بَيْنَهُمْ حَتّى خذلَهُم اللهُ تعالَى. وفي ذكرِ الإغراءِ في الآيَةِ والإلقاءِ في الأُخْرَى نكتَةٌ نأتِي بِها في غيرِ هذا الموضعِ إن شاء الله تعالى.

والله أَعْلَمُ وصلّى اللهُ على محمدّ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ.

كانَ اللهُ له

خادمُ العلم وأهله

أبو الوليد الغزيُّ الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت