فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 210

بسم الله الرحمن الرحيم

رسائل الثغور: الرسالة العاشرَةُ

مَنِ الوارِثُ؟:

العالمُ الإسلامِيُّ

في العقْدِ الرابعِ من القرنِ الخامس عشر.

لا مانع من نقلها دون تصرف

الحمدُ لله, وبعد:

قراءةُ التاريخ:

فإنّ لقراءَةِ التارِيخِ وَجْهَينِ: وجْهًا نَشْهَدُ مِن خِلاَلِهِ ما مَضَى فَنَسْتَلْهِمُ مِنهُ الآياتِ والعِبرِ، وثانِيًا نستَشْرِفُ مِن خِلالِهِ المُسْتَقْبَلَ لنتَعَرّفَ علَى خُطّةِ الطرِيقِ، ولَئِنْ قالَ بَعْضُ فلاسِفَةِ المؤَرّخِينَ: إنّ حِكْمَةَ المؤَرخِ تأتِي متأخّرَةً عادةً! فإنّ في الإطلاقِ التِي تُوحِي بهِ العِبارَةُ نظَرًا، بلْ إننا لا نجاوِزُ الحقيقَةَ حينَ نقولُ: فِي وُسْعِ المُؤَرّخِ (المُسلمِ) أنْ يسْبِقَ بِحِكْمَتِهِ حوادِثَ التارِيخ بِشَرْطَينِ:

-عُمْقِ النظَرِ ودِقّةِ الفَهْمِ لما أودَعَهُ اللهُ تعالَى من السننِ الكونِيةِ القدرَيةِ والدينِيةِ الشرعِيةِ فِي كتابِهِ المسطورِ وفِي كونِهِ المعمورِ.

-ومَعْرِفَةِ المَفاتِيحِ الكُبْرَى والعللِ المحركَةِ لما يُعاصِرُهُ من النوازِلِ والحوادِثِ.

والذي يُمَيزُنا عن غيرِنا من الأممِ أننا حينَ نَقْرأ التارِيخَ ماضِيهُ وحاضِرَهُ ومُستَقْبلَهُ؛ نستنِدُ فِي قراءَتنا لهُ إلىَ ما أودعهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ من السننِ الكونيةِ الثابِتَةِ التي مضى عليها من قبلنا من الأممِ ولا مُبَدّلَ لها!؛ والسننِ التِي سلكها الأنبياءُ والصالحونَ قبلنا في دينهم ودنياهم؛ وأَمْرِ نبِيِّنا صلى الله عليه وسلم بلزومِها؛ وتحذيرهِ إيانا من الخروج عنها؛ فإنها سننٌ تتجاوزُ حدُودَ الزمانِ والمكان؛ إذ الشرعُ جاءَ بِتَمامِ التوافُقِ بَينَ السنتَينِ الكونيةِ والشرعِيةِ، وحيثُ ظنّ الناظرُ التعارُضَ بَينَهُما فَذلكَ لخَلَلٍ طارِئٍ خارجٍ عما جاءَ بِهِ الشرْعُ، وتلك قاعدَةٌ من أهمّ قواعِدِ قراءَتِنا للتاريخِ، وإنما يتفاوَتُ الناسُ فِي ارتِفاعِ البنْيانِ بِحَسبِ إحكامِ القاعِدَةِ وما أوتوا من العِلم والفهمِ، وفوقَ كلّ ذي علمٍ عليم.

وفي التنزيل قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ؛ فَفِي هذهِ الآيةِ دَلالَةٌ عَلَى أهميِّة عِلْمِ التَّارِيخِ؛ واستِقْراءِ سُنَنِ اللهِ تعالَى في الأممِ والدولِ، لأنّ فِيهِ فائدَةَ السيرِ فِي الأَرْضِ، وَهِي مَعْرِفَةُ أَخْبارِ الأَوِائِلِ، وأَسْبابُ صَلاح الأُمَمِ وَفَسادِها، كما قالَ ابنُ عَرَفَةَ: السيرُ فِي الأَرضِ حِسّيٌّ؛ وَمَعْنَوِيٌّ، والمعنويُّ هو: النظَرُ فَي كُتُبِ التَّارِيخِ؛ بِحَيْثُ يَحْصُلُ للنَّاظِرِ العِلْمُ بِأَحْوالِ الأُمَمِ، ومَا يَقْرُبُ مِنَ العِلْمِ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ مَا لا يَحْصُلُ بالسيْرِ فِي الأَرْضِ لِعَجْزِ الإنْسَانِ وَقُصُورِهِ. انتهى.

وإنَّما أمرَ اللهُ تعالى بالسَّيْرِ فِي الأَرْضِ دُونَ مُطالَعَةِ الكُتُبِ لاشتراكِ جميعِ الناسِ في السيرِ دونَ المطالعَةِ، ولأنّ المطالَعَةَ يختَصُّ بِها بعْضُ الناس، وأيضًا فليسَ كلُّ من يطالعُ التاريخَ يَقْدِرُ على استخْلاصِ العِبرِ وسُنَنِ اللهِ في المجتمعاتِ والدولِ مِنهُ، ولأنَّ فِي الْمُخَاطَبِينَ مَنْ كَانُوا أمِّيين، ولأنَّ الْمُشاهَدَةَ تُفِيدُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ عِلْمًا؛ أو لأنّها أعمَقُ أثرًا في النفوسِ، ثُمّ إنّها َتُقَوِّي عِلْمَ مَنْ قرأَ التَّاريخَ أو قُصَّ عَلَيْهِ.

من البشائر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت