فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 210

دعني - بعدَ هذه المقدّمةِ - أقص عليكَ القصةَ من البدايَةِ، لعَلّ الشوْقَ يَجُودُ - يُمطرُ - هواكَ فتحملُكَ لواعِجُهُ على السؤالِ عما سُقْتُها لأجْلِهِ، على أنّ مُكابَدَةَ الشوقِ قليلٌ فِي جَنْبِ مَن تَودّ!.

حدثني بعضُ أهل بَيتِي قال: في أوائلِ سنَةِ (1423) رأيتُ فِيما يَرى النائمُ أنّني أقفُ موقِفا أرى مِنهُ العالَمَ كلّهُ بينَ يديّ؛ ثُم قُرِّبَ إلي في المنامِ فأصبحْتُ أرى (مصرَ) وأنظرُ إلى شوارِعِها وأسْواقِها؛ والناسُ فيها يغْدونَ ويروحونَ؛ وأرى فيهمْ نساءً تبرّجْن تَبَرُّجَ الجاهلِيةِ وقد اختلطْنَ بالرجالِ!، فَبينَا أنا أرقُبُ ذلكَ إذ رأيتُ أرضَ مِصْرَ كلّها كأنّما حُمِلتْ قِطْعَةً واحِدةً وقُلِبَتْ حتّى جعلَ اللهُ عالِيَها سافِلَها بِحولِهِ تعالَى وقوتهِ!، ولم أكدْ أفيقُ مِما أرَى حَتى قُرِّبَتْ إليّ بِلادُ (الجزائرِ) ، ورأَيتُ على شواطئِها نساءً عارِياتٍ!، فما لبِثَتْ أنْ وقعَ بِها ما وقعَ في أُخْتِها مصرَ!، ثُمّ وقعَ مِثْلُ ذلكَ في بلادِ المغرِبِ العربِيِّ كلِّها واحدَةً على إثْرِ واحَدَةٍ، ما مِن بَلْدَةٍ مِنْها إلا وقَدْ جُعِلَ عالِيْها سافَلَها على غرارِ ما سبق، وهكذا في جمِيعِ أمصارِ المُسلِمينَ، ثُمَّ في الهِنْدِ وبلادِ القوقازِ ومِنْها الشيشانُ، أرَاهُنَّ كما رأيتُ مِصرَ والجزائِرَ قبلَهُنَّ!، ثُمَّ إنّنِي رأَيْتُ جَميعَ هذِهِ الأمْصارِ وقَدِ انْتَشرَ فِيها أُناسٌ كَهَيئَةِ المجاهِدِينَ بَينَ غادٍ ورائحٍ، ثُمَّ رأيْتُهُمْ وقَدْ بَنَوْا بِناءً كَبيرًا على أرضِ السودانِ، واتخذُوا مِنهُ مركَزًا لإدارَةِ شُئونِ هذِهِ البلادِ، ورأيت على جُدرانِ المركَزِ لوحاتٍ كبيرَةً للتحَكَّمُ؛ وفوقَ اللوحَةِ نافِذَةٌ عريضةٌ؛ ورأيتُ هيئةً ابتسامَةٍ مُشْرِقةٍ تدخلُ عليهمِ من النافِذةِ!.

هذهِ الرُّؤيا مِن عجائِبِ صُنْعِ اللهِ تعالَى لأهْلِ الإسلامِ، واللهُ يَعْلمُ أنّنِي حُدِّثْتُ بَِها في سنَواتِ الهجْرَةِ الماضِيَةِ غيرَ مَرَّةٍ ومرتَينِ, وثلاثٍ، وأكثرَ، لكنْ لمْ يكُنْ لَها من الوَقْعِ فِي نفسي ما لَها اليومَ!، فإنّ وقُوعَ بعْضِ أجزاءِ الرؤيا مؤذنٌ بوقوعِ ما بَقِي مِنها إن شاء الله، ولَعَمْرُ اللهِ إنّ لبَيْنَها وبَينَ رُؤيايَ التي قصصْتُ من قَبلُ عن التمكينِ للإمارَةِ الإسلامِيةِ على أرضِ أفغانِستانَ المسلِمَةِ لَنسبًا وأيُّ نَسَبٍ!؛ ولتَعْلَمُنَّ نبأَهُ بَعْدَ حِينٍ.

وغَنِيٌّ عن الذكْرِ أننا لا نُعوّلُ على الرؤيا وحدَها، ولا قَصَصْناها لِنَعْتَذِرَ بِما فِيها مِن البُشْرَى عَنْ تَضْيِيعِ الحَزْمِ، بلْ إنّ حُسنَ الجَنّةِ وهِي ريحانةٌ تهتَزّ، ونورٌ يَتَلأْلأُ، ونَهْرٌ مُطّرِد، وزَوْجَةٌ لا تَموتُ، في خلودٍ ونعِيمٍ في مقامِ أبدٍ، مِن أعْظَمِ ما يَحْمِلُ على التشميرِ لَها وبذلِ النفائسِ في طلَبِها، وهكذا الشأنُ في جنةِ الدنيا التي جُعِلَ تَعْبِيدُ العِبادِ لرَبِّ العِبادِ أساسًا لِبُنْيانِها.

ما علينا وما لنا:

إنّ الذي يَهُمّنا في المقامِ الأولِ - بعدَ مرضاةِ اللهِ تعالَى - أن نَعْرِفَ أينَ نَحْنُ مِما يَجِبُ علَيْنا فِعْلُهُ، فالأحْداثُ الكُبْرَى التِي يَشْهَدُها العالَمُ الإسلامِيُّ اليومَ إنّما هِي فَجْرٌ جدِيدٌ سيكْشِفُ لكُلٍّ مِنا عنْ مكانِهِ الذي صارَ إلَيهِ في دَياجِيرِ ظلامِ العُقودِ الماضِيةِ!، ومِن ثَمَّ فما دامَ الأمرُ يَتَعلَّقُ بِمصالِحِ الأمّةِ فلا مَجالَ للمُحاباةِ أبدًا، والصدْقُ مع النفسِ شرطُ سَعْيها في طلَبِ الكمالِ.

ومَهْما تكُنْ عِلَلُ هذهِ الحَوادِثِ وأسْبابُها فإن الوقوفَ علَيها لَيسَ من مقاصِدِ هذه الرسالَةِ، على أننا بِحَمْدِ اللهِ تعالَى وتوفيقه وحدَه قَدْ أشَرْنا في عِدّةِ مواطِنَ مِن قَبْلُ إلى تَوَقُّعِ حصولِ ذلكَ كُلِّهِ، استِقْراءً لِسُننِ اللهِ تعالَى في الأُمم والدولِ، وإنما المقْصودُ الأولُ هُنا سدُّ الثغراتِ وإعادَةُ تسويَةِ الصفوفِ، ومن ثَمّ توحِيدُ الجهدِ والغايَةِ، فإننا بِحَمدِ اللهِ تعالَى لا يُخالِجُنا شيءٌ من الشكّ أبدًا في أنّ الوارِثَ المقْبِلَ في القريبِ العاجلِ لزمامِ الأمورِ في العالَمِ الإسلامِيّ هو الإسلامُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت