فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 210

ولم يكن لهذه البدع أن تروج إلا بنوع من المكر والحيلة والدس الخفي بوضع الأحاديث المكذوبة المنسوبة إلى خير البرية صلوات الله وسلامه عليه تارة, وبتحريف آيات الكتاب تارة, ونسبتها إلى بعض من سلف من الأكابر والصحابة والتابعين أخرى, ورابعة إلى المعاصرين ومن قبلهم من العلماء, وخامسة بخلع الألقاب والنعوت على منتحليها, وسادسة عن طريق السلاطين والأمراء, وبالتأويلات الفاسدة سابعة, وبالوعود الكاذبة, وشراء الذمم, ثامنة وتاسعة ... إلى غير ذلك مما تطول حكايته.

ثم إن الأئمة رحمهم الله شمروا عن سواعد الهمة في بيان الحق وفضح الباطل وكشف زيفه والتحذير من بَهْرجه وإنقاذ الأمة من عاديته لا يألونها جهدًا, فتكلموا ونصحوا ووعظوا وأرشدوا وصنفوا وكتبوا, وما تركوا خيرًا يأمرون المسلمين به ولا شرا ينهونهم عنه إلا أودعوه صحائف الكتب وبطون الأسفار نصحًا للأمة وشفقة ورحمة بمن يجيىء بعدهم أن يصيبهم ما أصاب آباءهم الأولين.

ثم خلف من بعدهم خلوف، قل فيهم العلم وقلَّ العمل وقلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ووقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من قبض العلم بقبض العلماء؛ فتصدر الجهَّال وتقدم من لا يحسن, ولم ينفعهم إذ ذاك ما أُودع في بطون الكتب - إلا ما شاء الله - فأطلت رؤوس أفاعي البدع بعد ما أرزت إلى جحورها فأحيت ما اندرس منها بعد مواته, وانضاف إلى ذلك ما جد واستُحدث من الأهواء والمقالات، فاختلط الحابل بالنابل وعظم الخطب وجلت الرزية وتفاقمت المصيبة, ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ولقد وسَّع الخرقَ على الراقع وقوعُ ذلك كلِّه ورياح المسلمين مدبرة مولية، قد دالت دولتهم ودب فيهم الضعف والوهن, وسرت إليهم روح الهزيمة والتخاذل, واعتراهم التنازع والفشل فتفرقوا أيدي سبا وأصبحوا طرائق قددًا وطمع فيهم الأعداء وبدلت سراؤهم بالضراء, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

واعلم؛ أن وصف ما حل بالمسلمين في القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة - على شدة الحاجة إليه - أمر خارج هنا عن حدّ الإمكان، فقد شهدت هذه الحقبة من الزمن تمكّن الأدواء من جسد الأمة وتغلغل السموم الفتاكة في مقاتلها؛ حتى أدى ذلك إلى الإطاحة بدولة المسلمين في الأندلس غرب العالم الإسلامي، والذي أدى إلى بتر جناح المسلمين الآخر دولة العثمانيين، وجرّأ الصليبيين على الإطاحة بها والقضاء عليها قضاءً تامًا من نحو قرن من الزمان.

-أمنية غالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت