فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 210

وكم كنت أود - ولا زلت - لو أن جماعة من العلماء والمؤرخين يعكفون على تصنيف تاريخ جامع يلم بأطراف الحوادث والوقائع التي جرت في أنحاء العالم الإسلامي خلال القرون المذكورة إلى زماننا هذا، لا يختص بناحية دون ناحية، بل يربط ما وقع للمسلمين في بلاد المغرب والأندلس بما وقع في مصر والشام والحجاز واليمن والهند وبلاد ما وراء النهر؛ إذ العدو واحدٌ والمكر واحد والأدواء واحدة، وإذن لكان عندنا كتاب يحيط قارئه بأطراف المؤامرة وخيوط المكيدة، ولمهَّدَ له طريق الاطلاع على مكامن الداء.

فعسى الله أنْ يقيض لهذه المهمة من يوفِّيها حقّها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

-مكامنُ الدّاء:

على أنّ تشخيص الداء وسبرَ غور مكامنه؛ أمر يعوزه الحذق والمهارة، وتنقصه الخبرة والدربة، فكم من طبيب حاول ترميم الجراح حتى إذا ما بدا للناظر منها البرء والسلامة انفتقت من جديد وتبين أنها رُمَّت على الفساد! وكم من طبيب صرف عنايته وهمته إلى مواضع تلوح لأول النظر فإذا بالداء أكمن منها في غيرها، وما هذا إلا لما ذكرت لك من تداعي الحوادث وتوالي المصيبات وتتابع الفتن وتراكم البليات مع قلة العلم والعاملين من العلماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إنّ كل نهج وبي أصيبت به أمة المسلمين في يوم من الأيام - سواء كانَ في العقيدة أو في الفقه أو في السلوك - حتى وإن قُضي عليه وعلى دعاته في الظاهر؛ إلا أنه ورَّث الأمة أثارًا عملية من العسر أن تمحى، آثارًا تغلغلت في مجاري الدم من العروق, وسرت في الأمة سريان الروح من الجسد, ولا غرابة في ذلك؛ فإن لكل عقيدة ولكل نحلة ومذهب - بل ولكل تصوُّر وفكرة - أثر على أعمال المرء وإرادته, قلَّ هذا الأثر أو كثر، والمرء قد يمارس ذلك ويقع فيه ولا يشعر به حتى مع معرفته النظرية جملة بالصواب الذي دلّ عليه الكتاب والسنة, إذ قد يخفى عليه كون ما يمارسه من العمل - مع اعتقاد كونه صوابًا - مخالفا لما تقتضيه الأصول والقواعد الكلية التي عرفها واطلع عليها.

-أمثلة كاشفة عن المُراد:

سأضرب لك على وجه الاختصار في هذه المقدمة بعض الأمثلة التي يتضح بها المراد، وأترك تتبع ذلك وتفصيله إلى موضعه من هذه المقالات، وأجعل لكلِّ منها عنوانًا يدل على مضمونه ويشير إلى محتواه - إن شاء الله تعالى - فهي على تعدد موضوعاتها حتى يكاد كلُّ منها يكون بابًا قائمًا بذاته، إلاَّ أنها يجمعها ما أشرت إليه في هذه المقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت