-الانحراف في مفْهُوم الأخذ بالأسباب:
الأخذ بالأسباب عبادة واجبة يتقرب بها إلى الله تعالى، وهل خلق الدنيا وما أَوْدع الله فيها من المنافع إلا لاتخاذها وسيلة إلى الآخرة؟ وهكذا خلق الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع وغير ذلك من الأصول العظام؛ كلها أسباب موصلة إلى الغاية العظمى رضوانِ الله تعالى، ومثل هذا أوضح في الأذهان من أن يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان لولا أن أهل البدع أثاروا حوله من الشبهات والشكوك ما جعله محَلّ بحثِ كثيرٍ من الأئمة في كثير من المواطن.
والتصوف المتلبس بالزهد كان له - كما يقال - نصيب الأسد في إفساد مفهوم هذه العبادة على الناس تحت شعار"التوكل على الله"، فما على المرء إلا أن يلزم زاوية من الزوايا أو يعتزل في رأس جبل أو كهف من الكهوف ويمارسَ رياضات معيّنةً محددةً يسمونها"الذكر"؛ حتى يسخر الله له طيورًا لا يعرفها البشر، يأتيه كل منها بصنف من صنوف الطعام ولون من ألوان الشراب تكفيه يومه وليلته, ولا تزال على ذلك مادام الشيخ على قيد الحياة!
وآخر مرّ على البحر فاشتكى صاحبُه الجوع؛ فلامه الشيخ لكونه سأل ما لا ينبغي له, ثم تمتم الشيخ بكلمات فصعدت رفوف من البحر عليها من ألوان السمك ما لذ وطاب, حتى نال الصاحب منها حاجته!
وثالث يقتات طين الأنهار ورابع من المزابل, وغير ذلك من الحكايات الملفقة المخترعة المنسوبة إلى أكابرهم كإبراهيم بن الأدهم - كما حكاها الشعراني في"الميزان"وابن عساكر في ترجمته من"تاريخ دمشق"-
ولقد كان لهذا المذهب الردي آثار نبه الأئمة رحمهم الله تعالى على فسادها في الجملة، مثل ترك الأخذ بالأسباب والإعراض عنها جملة كالزاد للسفر والسعي في طلب الرزق ونحو ذلك، ومثل الإعراض عن العلم والتعلم حتى عن تعلم الحديث وقراءة السيرة النبوية، بل عن تعلم القراءة والكتابة بحجة أن الفرقان بين الحق والباطل يحصل بـ"المجاهدة الصوفية والصبر عليها", فيقع بسبب ذلك في قلب العبد نور يكون به الفرقان المذكور، ومثل الإعراض عن النكاح الذي أحله الله تعالى وغير ذلك.
وهذه أثار كما ترى لا يكاد أمرها يخفى على أحد، إلا على العامة الرعاع أتباع كلِّ ناعق، كما أن جهود الأئمة والعلماء رحمهم الله في هذا الباب تكاد أن لا تفسح المجال لمستزيد.
-الآثار الخفية للانحراف المذكور: