لكن ثمة آثار خفية ينطلي أمرها على الكثيرين، حتى من الصفوة المختارة العاملة لهذا الدين، وليس من المتعين أن يكون السبب محصورًا في رداءة المذهب وبطلان أصوله وقواعده؛ بل قد ينضاف إلى ذلك غيره، كاتساع الحوادث والنوازل التي استجدت في حياة المسلمين مع ندرة العلماء المجتهدين المستقلين بمدارك النظر في هذه الحوادث.
-أمثلةٌ لذلك:
1)خلاف العلماء والأعيان والجماعات اليوم حول الطريقة المثلى لإقامة دين الله وشرعه والتمكين للمسلمين في الأرض، حتى أتوا من ذلك بالعجب العجاب, وتنحيةً الكثيرين منهم فريضة الجهاد في سبيل الله عن الأسباب الموصلة لذلك, أو تقييدها بشروط لا تقوم بها حجة من كتاب أو سنة أثر من الآثار العملية الخفية للمذهب الردي المذكور.
2)والإعراض عن الانتفاع بما أودعه الله تعالى في الكون من الآلات والعلوم والنواميس والأسرار وتسخيرها لخدمة هذا الدين على اختلاف مراتب الناس في هذا الإعراض؛ أثر عملي آخر لمذهب التصوف العقيم ونهج التزهد السقيم.
-فطائفة من هؤلاء يرون تحريم كلِّ ما استجد من العلوم المخترعة والوسائل المبتدعة حتى ولو بلغت منفعتها الإسلامَ وأهلَهُ ما بلغت، لأنها من إحداث الكفار واختراعهم، وتقليدٌهم لا يجوز! ولأنَّ ما خفي سببه حَرُمَ كالسّحر! والأوّل مقدمة باطلة ونتيجة باطلة أيضا، والثاني تعليلٌ باطل وقياس باطل، ومن هؤلاء من منع من الجهاد إلاّ أن يعود القتال بالسيف والسنان! والله المستعان.
-ودون هؤلاء طائفة لم تحرم من ذلك شيئا، لكنها لمّا رأت طغيان الفساد في الأرض واستشراءَهُ بين الناس وعُلُوَّ أهله في الأرض مقرونًا ذلك كلُّه بالحضارة الماديّة وما أصاب المسلمين من الضعف والعجز غُلبت على أمْرها، ورأت أن لا حيلة لها ولا للمسلمين في مقارعة الأعداء، وظنت أنه لا سبيل إلى التمكين للمسلمين إلا بزوال هذه الحضارة الحديثة وفناء مادتها وأنْ يعود القتال إلى ما كان عليه في القرن الأول! حتى إنّ من هؤلاء من لا يتصوّر وجودًا لدولة الإسلام إلا في بيوت من الطين والشعر وأن يركب القاضي حمارًا يروح عليه ويجيء!
-ودون هؤلاء وهؤلاء طائفة من المشايخ والعلماء - بل من المجاهدين أيضًا - يدور بينهم جدلٌ عريضٌ فيما يجب على المسلمين من الإعداد والعتاد، وهل يلزمهم منافسةُ الكفار أو مساواتُهم في ذلك أم لا؟ حتى إنّ منهم من يجعل طلب الكمال من الإعداد المقدور عليه طعنًا في التوكل!