فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 210

وهذا الذي يَقولُهُ المطلِعونَ من الباحِثينَ المنْصِفِينَ في الغربِ أيضًا!، ولَئنْ كُنا ننفَرِدُ عَنْهُم بإيماننا بِوَعْدِ اللهِ لِهذهِ الأمّةِ؛ فإنّهُم قَدْ وافَقُونا في استِجْلاءِ كثيرٍ من النوامِيسِ فِي إقامَةِ الدوَلِ وزوالِها.

وقولِي: إن الوارِثَ المُقْبلَ هو الإسلامُ، أردْتُ بهِ التفرِيقَ بينَ دعوةِ الإسلامِ الذي هو دينُ الأمةِ كافّةً؛ وبينَ الأحزابِ والفرَقِ التي سلكتْ في الدعوةِ إليهِ مسالكَ شتّى، فالأولُ هوَ الوارِثُ دونَ هذهِ الثانِيَةِ، إلاّ مِن جِهَةِ كونِها بَعْضَ أمةِ المسلمينَ؛ لَهم ما لها وعليهم ما عليها، وهِي الحقِيقَةُ التِي لا بدّ من الوقوفِ عنْدَها دُونَ مُجامَلَةٍ ولا مُدارَاة، ولا بُدَّ من الوقوفِ على أسبابِها، حتّى وإنْ ثَقُلَ ذلكَ على بعضِ الغيورِينَ الذينَ يستَعْجلُونَ القِطافَ، وصادِقُ الأمانِيّ لِمَنْ لزِمَ الطرِيقَ خَيرٌ من كَثِيرِهَا لِمَنْ تنَكّبَهُ.

وليكنْ الكلامُ في هذه الرسالةِ مُوزّعًا على فصولٍ جمعًا لأطرافِ الحديثِ وتيسيرًا على القارئِ، وبالله العونُ والسداد:

عمادُ التلاحُمِ بينَ الدعوةِ والأمة:

الأول: قدْ قلتُ من قبلُ في غيرِ هذا الموضعِ: ما مِنْ دَعوةٍ لا تستمْسكُ بحبلِ الأمةِ المسلِمَةِ وتكونُ الأمةُ من ثمةَ مَحْضِنا لها إلاّ وانقطَعْتْ بِها السبُلُ، وانْفصمتْ عُراها فَوُئِدَتْ فِي مَهدِها!، وأزيدُ عليهِ هنا فأقول: إنّ الأمةَ المسلِمَةَ بما أودَعَ اللهُ تعالى فيها من الخَيرِ الذي لا ينْقَطِعُ هي النهْرُ المادُّ للدّعْوَةِ إلى اللهِ، وإنّما تتَفاوَتُ الدعَواتُ قوةً وضَعْفًا بحسْبِ قوّةِ التلاحُمِ بَينَها وبَينَ جُمْهُورِ المسلِمينَ، ولا يخفَى أنّ المرادَ هو التلاحُمُ الذي يراعِي أمَرَينِ لا بُدّ مِنْهُما:

-المحافَظَةَ على أصولِ الإسلامِ وقواعِدِهِ.

-والتيسيرَ على الناسِ المُستَمَدَّ من قواعِدِ رفعِ الحرجِ في الشرعِ، ومُواكَبَةَ ما يطرأُ على حياةِ الناسِ والأممِ من ذلكَ.

الأصولُ العَمَلِيّةُ للدعوة:

الثانِي: وما يمرّ به العالَمُ الإسلامِيُّ اليومَ بُرهانٌ جلِيٌّ على أنّ الأمم الإسلاميةَ لا تزالُ قريبَةً من روحِ الإسلامِ، تكْمُنُ في أعماقِها عواملُ الثباتِ والنصرِ.

والظلمُ والاستِبْدادُ اللذانِ ابتُلِي بِهِما العالَمُ الإسلامِيُّ في عُقُودِهِ الأَخَيرَةِ وإن استَوَتِ الأممُ في رفضِهِ وردّهِ؛ إلاّ أنهُ لا يخْفَى أنّ الإسلامَ بينَهُ وبينَ العزّةِ والكرامَةِ نسبٌ وأيّ نَسَبٍ، بل الإسلامُ يُحَرّمُ الذلّةَ والخضوعَ لغيرِ اللهِ سُبحانهُ، ويَجْعَلُ من الرضا بالدّنِيّةِ والمَهانَةِ جُرْمًا وذَنْبًا يُؤاخذُ المرءُ بهِ ويحاسَبُ عليهِ!، سواءٌ كانَ ظلما سياسيا أو اجتِماعيا أو اقتصاديّا أو ثقافيًّا أو عِلْمِيًّا أو جانِبًا آخَرَ من جوانِبِ الحياةِ، وهذا مَلحظٌ مُهِمٌّ لا بُدّ أنْ تتَناوَلَهُ كلُّ دعوةٍ إصلاحِيّةٍ بالمعالَجَةِ تَناوُلًا عَملَيّا لا نَظَرِيًّا فحسْبُ، والذي يُقابلُ الظلمَ في كلّ ذلكَ هوَ العَدْلُ، ولا يكونُ علاجُ شيءٍ من ذلكَ عملِيا إلا بأمور:

-أن يُوافِقَ الشرْعَ، وهو من المُسلّماتِ، وإنما ذكَرْناهُ تنبيها.

-أن يُلَبّيَ الحاجاتِ الفطْرِيّةَ والمطالِبَ الضرُورِيّةً للحياةِ البشرِيةِ.

-أنْ يكونَ كُلّيًا، ومعناه: أن يتناوَلَ بالمُعالَجَةِ أصولَ المشكلاتِ الحياتِيّةِ وجذورَها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت