واعلَمْ أن الأوّلَ يُغْنِي هنا عن الأخِيرَينِ معَ الفَهْمِ القوِيمِ لمَقاصِدِ الشرْعِ وحِكَمِهِ وأسرارِهِ، لكنّ تفاوت مراتِب الناسِ في العِلْمِ والفهمِ هو الذي يُحوجُ إلى مِثلِ هذا التفصيل، فإن الشرْعَ لمْ يأْتِ إلاّ برعايةِ الثانِي والثالثِ عَلَى أحْسنِ الوُجُوه، وإنّما يقعُ الخلَلُ لأسبابِ: منها: قلةُ العلمِ بآثارِ الرسالةِ، ومِنْها: إغفالُ الأصولِ المرعِيّةِ في السياسَةِ الشرْعِيةِ، ومِنها: ما يطرأُ على السياساتِ من التغيرِ والتبدّلِ معَ قصورِ آلَةِ الاجتِهادِ فيما يتعلقُ منها بمصالحِ المسلمين.
الإمامةُ والمطالِبُ الضرورية:
جمَعَنِي قَبلَ نحْوِ عامٍ مجْلِسٌ مَعَ أحدِ المُثقّفِينَ؛ وقدْ قضَى أكثَرَ من أرْبَعِينَ عامًا من عُمِرِهِ في بلادِ الغَرْبِ، وجرى حديثٌ طويلٌ عن المقارَنَةِ التي لا ينفكُّ الناس يعقدونَها بينَ الحياةِ في الغربِ، والسياساتِ الجائرَةِ في العالمِ الإسلامِي!، ثُمّ سألَني عن الإمامَةِ والسياسَةِ في الشريعَةِ الإسلامِيةِ؟، وعن فَهْمِ الناسِ لَها؟، وعنْ تَبايُنِ أنْظارِهِم في توصِيفِ الواقِعِ المُعاصِرِ بِتَحْكِيمِ أصولِها وقواعِدِها؟، وهلْ يُعْقَلُ أن لا يَجِدَ عُلماءُ المسلمينَ في أصُولِها المُحْكَمَةِ حَلاًّ نَفُوقُ بِهِ تلكَ الأُمَمَ أو يَجْعَلُنا أندادًا لَها على أقلّ تقدِيرِ؟.
قُلْتُ: على رِسْلِكَ!، إنّ بَيْنَنا وبَينَ تلكَ الأُمَمِ اتّفاقًا وافْتِراقًا، فإنّنا وإنِ افْتَرَقْنا في الدينِ فَمّنّ الله علَينا بالإسلامِ الذي لا يَقْبَلُ من أحدٍ دينًا سواهُ؛ وضلُّوا هُمْ عنهُ!، إلاّ أننا وتلكَ الأُمَمَ بَشَرٌ نَشْتركُ في مطالِبِ الحياةِ الضروريّةِ التي لا بُدّ مِنها لكُلّ مُجْتَمعٍ إنسانِيّ، ولا يَكُونُ ذلكَ إلاّ بالاجْتِماعِ وتَحْقِيقِ العَدْلِ الذي يراهُ أكابِرُهُمْ، فَتَجْرِي سِياساتُهُمْ على وَفْقِ قواعِدَ مُتّفِقٍ علَيها تتَحَقّقُ بِها المَقاصِدُ الكلِيّةُ من اجْتِماعِهِم، وذلكَ يَتِمُّ تَحْتَ أعْيُنِ تلكِ الأُمَمِ ومُحاسَبَتِها، بِحَيثُ لا يَخْتَلُّ المقصودُ الأوّلُ الذي تَتَحّقّقُ بِهِ مقاصِدُ الأمةِ الكُلّيّةِ، ولا يَخْرُجُ القائِمُ علَى أَمْرِ الأمّةِ عن مُقْتَضَى العدْلِ الذي الذي اتفقُوا عليه.
وهذا الذي يَصْنَعُونَهُ من رِعايَةِ مَقاصِدِ الوِلايَةِ لَيس أمرًا خاصّا بِهِم، بل الحَقُّ أن الذي جاءَ بِذلكَ هُو شريعَةُ الإسلامِ، وانتقالُ ذلكَ إلَيهِمْ بتأثيرِ المخالَطَةِ والمجاوَرَةِ وتبادُلِ الثقافاتِ بعدَ الفتحِ الإسلامِي للأندَلُسِ وما تلاهُ من القرونِ ظاهِرٌ يعتَرِفُ به المُنْصِفونَ من مُؤَرّخِيهِم قَبْلَ غَيرِهِم؛ وَلذا تَجِدُ من القواعِدِ المُحَرّرَةِ المقَرّرَةِ في الشرْعِ نَحْوَ قولِهِم: الأمورُ بِمَقاصِدِها: ومعناه: أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ عَلَى مُقْتَضَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ، فالأحْكامُ التِي تتَرَتّبُ على الولايَةِ تكونُ على مُقْتَضى ما هُوَ المقصودُ من الولايَةِ، ونَحْوَ قَولِهم: التصرُّفُ على الرّعِيّةِ مَنُوطٌ بالمَصْلحَةِ، أَيْ: أَنَّ تَصَرُّفَ الرَّاعِي فِي أُمُورِ الرَّعِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لاَ يَكُونُ صَحِيحًا، والمرادُ بالرّعِيّةِ: عمومُ الناسِ الذينَ هم تَحْتَ ولايَةِ الوالِي، ويشملُ ذلكَ السلطانَ الأعظمَ فمن دُونَهُ؛ من الوُلاةِ والوُزَراءِ والعمالِ والقضاةِ ومُتَولِي الحِسبَةِ والأوقافِ إلى وليّ النكاحِ ووَصِيّ اليتِيمِ، فكلُّ هؤلاءِ لا بُدّ أن تكون تَصَرُّفاتُهُمْ منوطَةً بالمصلَحَةِ وإلاّ فَهِيَ غَيرُ صَحِيحَةٍ ولا جائِزَةٍ، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ إنفاذُها ولا الإعانَةُ على ذلكَ لأنهُ ظلمٌ حرّمهُ اللهُ تعالَى، وتَعاوُن على الإثمِ والعُدْوانِ ولا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معْصيَةِ الخالِقِ.
وتَجِدُ أيْضًا فِيما تقَرّرَ من الأحكامِ تَفْوِيضَ أهلِ الحلّ والعقْدِ في تنْصِيبِ الإمامِ، فَهُمْ ينوبُونَ عن الأمةِ في ذلكَ، وهُو تنصِيبٌ منوطٌ بالمصلحةِ أيضًا، كما أنّ عَقْدَ الإمامَةِ عقْدُ تَفْويضٍ وتَوكيلٍ؛ ينوبُ فيه الإمام أوْ مَنْ يُنِيبُهُ الإمامُ مِمنْ تقَعُ بِهِ الكفايَةُ في أمورِ الولايةِ عن الأمةِ في حراسَةِ الدينِ وسياسَةِ الدنيا؛ وجامعُ ذلكَ استيفاءُ الحقوقِ مِمّنْ وجَبَتْ علَيهِ وأداؤُها إلى مُسْتَحّقّها، ولَيسَ هُو عَقْدَ تَمْلِيكٍ ولا هِبَةٍ ولا بَيْعٍ فيَصْنَعَ بِالأمّةِ وبِمصالِحِها ما أرادَ!.
وأما طاعَةُ المتغلّبِ -ولَو كان امرأةً - وهُوَ من فَقَدَ شروطَ الإمامَةِ وإن رضيَهُ القومُ، فقَدْ أوجَبها الشارِعُ تَحْصِيلًا لأعظَمِ المصلَحَتَينِ، ودفعًا لأكْبرِ المفْسدَتَينِ بارتِكابِ أدْناهُما، ولذا وجَبَتْ طاعَتُهُ عادِلًا كانَ أو جائِرًا ما لمْ يُخالِفِ الشرْعَ،