فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 210

والشرْطُ مع هذا كلّهِ أن يَقومَ بِمصالحِ المسلمينَ، فإن عجَزَ عن القيامِ بِها فلهُ خلغُ نفسهِ، ولو لم يكنْ العجزُ ظاهرًا بل استشعرَهُ من نفسِهِ فالصحيحُ أن له ذلكَ أيضا، وَفِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ: إنَّ للأمةِ خَلْعَ الإِمَامِ وَعَزْلَهُ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ، مِثْلُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ اخْتِلالَ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَانْتِكَاسَ أُمُورِ الدِّينِ؛ كَمَا كَانَ لَهُمْ نَصْبُهُ وَإِقَامَتُهُ لانْتِظَامِهَا وَإِعْلائِهَا، وَإِنْ أَدَّى خَلْعُهُ إلَى فِتْنَةٍ اُحْتُمِلَ أَدْنَى الْمَضَرَّتَيْنِ.

وقدْ بَنَوْا على مراعاةِ مَقاصِدِ الإمامِةِ جُملَةً من الأحكام، فَمِنْها على وَجْهِ المثال لا الحصرِ:

-أن المتغلبَ لا تَثْبُتُ له الإمامةُ إلاّ إنْ دخلَ عُمُومُ الناسِ تَحْتَ طاعتِهِ؛ وإلاّ فَالخَارِجُ عَلَيهِ لا يكونُ باغيًا، ومثلوا له بالحسين بن علي رضي الله عنه مع يزيد.

-أن الإمام إذا كلف الناسَ بمالٍ ظلمًا فامتنعوا منْ إعطائهِ وقاتلهمْ فقاتَلُوه لا يكونونَ بغاةً بذلكَ.

-ومِنْها: أنه لا يَجوزُ لهُ قِتالُ الخارِجِينَ علَيهِ إن لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لاحتمالِ أن خروجَهُم علَيهِ لعَدَمِ عدلِهِ؛ وإن كان لا يجوزُ لهم الخروجُ عليه أيضا، كذا في حاشية الصاوي على الشرح الصغير.

-ومنها: جواز قبولِ العدْلِ الولايَةَ من المتغلّبِ؛ ولم يعُدّوها جرْحةً لخوفِ تعطيل الأحكام. مِنَحُ الجليل.

-ومِنها أن المتغلبَ على إقليم لو نصب فاسقا أو جاهلًا للحكمِ بينَ الناس، فإن تغذرَ مَن هو أهلٌ نفذتْ أحكامهُ للضرورة. ذكره الهيتمي في الفتاوى عن النووي عن جماعة من العلماء.

-ومْنها: ما ذكره الهيتمي أيضا وهو عقب الكلام السابق فقال: فإذا خَلَتْ بَلَدٌ أو قُطْرٌ عن نُفُوذِ أَوَامِرِ السُّلْطَانِ فيها، لِبُعْدِهَا وَانْقِطَاعِ أَخْبَارِهَا عنه؛ وَعَدَمِ انْقِيَادِ أَهْلِهَا لأَوَامِرِهِ لو بَلَغَتْهُمْ؛ فلم يُرْسِلْ لهم قَاضِيًا؛ وَجَبَ على كُبَرَاءِ أَهْلِهَا أَنْ يُوَلُّوا من يَقُومُ بِأَحْكَامِهِمْ، وَلا يَجُوزُ لهم أَنْ يَتْرُكُوا الناس فَوْضَى، لأَنَّ ذلك يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ.

-ومنها: أن العدْلَ إذا قُلّدَ ثم جارَ وفسَقَ لا ينعزِلُ؛ ولكن يستحِقُّ العزْلَ إنْ لَمْ يستلزِمْ فتْنَةً. رد المحتار. وذكر النووي في المجموع ثلاثة أوجهٍ حكاها الجوينِي.

-ومنها: إِذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فِسْقًا. مغني المحتاج عن الشيخِ عِزّ الدينِ.

فأنتَ ترى أن هذه الأحكامَ إنما أريدَ بِها مراعاةُ الضروراتِ والمقاصِدِ الكليّةِ من الإمامةِ، وأوضحُ من هذا في الدلالة على المرادِ ما ذكرهُ ابنُ غُنَيْمٍ في شرحِ رسالَةِ ابنِ أبي زيدٍ القيروانِي عن القُرْطُبِي: إذا نُصِّبَ الإمامُ عدلًا ثم فَسَقَ بعدَ إبرامِ العقْدِ، فقالَ الجُمْهُورُ: وتنفسخُ إمامتُه وينخَلِعُ بالفِسقِ الظاهرِ المعلُوم؛ لأنه إذا ثبتَ أنّ الإمامَ إنما يُقامُ لإقامَةِ الحدودِ واستيفاءِ الحقُوقِ وحفظِ أموالِ الأيتامِ والمجانينِ والنظَر فِي أُمُورهِمْ وغيرِ ذلك، وما فيهِ منَ الفِسْقِ يُقْعِدُهُ عنْ القيامِ بِهذِهِ الأُمُورِ، فلَوْ جَوّزْنا أنْ يكونُ فاسقًا أدّى إلَى إبطالِ ما أُقِيم لأَجْلِهِ. ثم قال الشارح: وَيَنْبَغِي أَنْ يكُونَ مَحَلُّ الخلافِ ما لَمْ يَشْتَدَّ الضرَرُ بِبَقائِه؛ وإلاّ اتُّفِقَ عَلَى عَزْلِهِ. انتهى.

ويكَمّلُهُ ما حققهُ الجُوَيْنِيُّ في غياثِ الأُمَمِ بقولِهِ: فأمّا إذا تَوَاصَلَ مِنْهُ العِصْيانُ؛ وفَشا مِنه العُدْوانُ؛ وظهرَ الفسادُ؛ وزالَ السّدادُ؛ وتعطّلتِ الحقوقُ والحدُودُ؛ وارْتَفَعَتِ الصّيَانَةُ؛ وَوَضَحَتِ الخِيانَةُ؛ واسْتَجْرأَ الظلَمَةُ؛ وَلَم يَجدِ المظلومُ مُنْتَصَفًا مِمّنْ ظلَمَهُ؛ وتدَاعى الخللُ والخطلُ إلَى عظائمِ الأمور؛ وتَعَطُّلِ الثغُورِ، فلا بدَّ من استدراكِ هذا الأمْرِ المتفاقِم ... وذلكَ أنّ الإمامةَ إنّما تَعْنِي لِنَقِيضِ هذِهِ الحالَةِ، فإذَا أَفْضَى الأَمْرُ إلَى خِلافِ مَا تَقْتَضِيهِ الزّعَامَةُ وَالإِيالَةُ، فيجبُ استدراكُهُ لا مَحالَةَ ... إلَى آخرِ ما قالَ، وهذا المبْحَثُ أحدُ المقاصِدِ التِي بَنَى كتابَهُ عليها، وقد قالَ في الكلامِ على هذا المقصد: فإنْ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت