نَجدْ كافيًا وَرِعًا مُتّقِيًا، ووَجدْنا ذَا كِفَايَةٍ يَمِيلُ إلَى الْمُجُونِ وفُنُونِ الفِسْقِ، فإنْ كانَ فِي انْهِماكهِ وانتهاكِه الحرُماتِ واجْترائِهِ علَى المنْكَراتِ بِحَيْثُ لا يُؤمَنُ غائلتُهُ وعادِيتُه؛ فلاَ سِبيلَ إلَى نَصْبِهِ؛ فإنهُ لَوْ اسْتَظْهَرَ بالعِنادِ وَتَقَوّى بِالاسْتِعْدادِ؛ لزادَ ضَيْرُهُ علَى خَيْرِهِ؛ وَلَصَارَتِ الأُهُبُ والعُدَدُ العَتِيدَةُ للدّفَاعِ عَنْ بَيْضَةِ الإسلامِ ذرائعَ للفَسادِ؛ وَوَصائِلَ إلَى الحَيْدِ مِنْ مَسالِكِ الرّشادِ!، وهذَا نَقِيضُ الغَرَضِ المقْصُودِ بِنَصْبِ الأَئِمّةِ إلى أن قال: ولَوْ فُرِضَ فاسِقٌ يَشْرَبُ الخَمْرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الموبِقَاتِ؛ وَكُنّا نَراهُ حريصًا - مَعَ مَا يُخامِرُهُ مِنَ الزلاّتِ وَضُرُوبِ المخَالَفاتِ - علَى الذّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الإسْلامِ؛ مُشَمِّرًا فِي الدّينِ لانْتِصابِ أَسْبابِ الصّلاَحِ العامّ؛ العائِدِ إلَى الإسلامِ، وكانَ ذا كِفَايَةٍ؛ ولَمْ نَجِدْ غَيْرَهُ؛ فالظاهِرُ عِندِي نَصْبُهُ؛ معَ القيامِ بِتَقْويمِ أَوَدِهِ علَى أَقْصَى الإمْكَانِ. انتهى.
فَكلُّ هذا الذي حكيتُهُ لكَ - وغيرُهُ كثيرٌ - هُوَ الذي يُفْضِي إلى تَحْقِيقِ المقاصِدِ الجامِعَةِ والمصالحِ المرعِيّةِ للأُمَّةِ المسلمةِ، وهُوَ الذي يُطابِقُ المطالِبَ الضروريّة ويلَبّي الحاجاتِ الفطرِيّةَ التي تتفِقُ فيها الأُمَمُ اتفاقَها في السننِ الكونِيَةِ القدَرِيّةِ، وهو الذي يُناسِبُ تَمامَ المناسَبَةِ سُرْعَةَ التطَوُّرِ في أسالِيبِ الحياةِ والتي تُفْضِي إلى سُرْعَةِ التغَيُّرِ في وُجُوهِ السياساتِ والمصالِحِ المُعْتَبَرَةِ في حياةِ الأمةِ.
من عِلَل الإخفاق:
فانْظُرْ - لِتَعْلَمَ أينُ مَوْطِنُ الخَلَلِ في خِطابِ الدّعْوَةِ - كَيْفَ يُخْتَزَلُ هذا كُلُّهُ لِيُصْبِحَ في مسألَةٍ واحِدَةٍ فَحَسْبُ!؛ هِي: السمْعُ والطاعَةُ للإمامِ!، دُونَ التعْويلِ على شَيءٍ آخَرَ مما قضَى الشرْعُ باعِتِبارِهِ من الأصولِ التي لاَ تستقيمُ الحياةُ إلا بِها، ولا التعْوِيلِ على شَيءٍ منَ الحاجاتِ الفطْرِيةِ والضروراتِ الاجتماعِيةِ التي راعَاها الشرْعُ؛ والتي لا قِيامَ للدولِ ولا بقاءَ لها إلا بِها!.
وهذا هو الذي يجعلُ مثلَ هذه الدعَواتِ لا قِيمَةَ لها في حياةِ الأمةِ، حَتّى وإن تَبَدّتْ في الظاهِرِ في ثيابِ العِلْمِ والنسكِ والوَرَعِ!، ولذا لما وقعَ في العالَمِ الإسلامِي ما ترَى لَمْ يأْبَهِ الناسُ بتلكَ الدعواتِ ولم يُلْقوا لَها بالًا، لأنّها لَمْ يكُنْ لَها أثَرٌ في حياةِ الأُمّةِ أصلًا.
وإنّما غابَ أثَرُها عن الأمّةِ لأنها فشِلَتْ في مُعالَجَةِ المشْكِلاتِ الحياتِيّةِ والضروراتِ الاجتماعِيّةِ التي أصبَحَتْ عُرْضَةً لكُلّ ناهِبٍ في العالمِ الإسلامِي!، فوقعَ لهَا شَبِيهُ ما وَقعَ للأُمَمِ الغَرْبِيّةِ في القرونِ الوُسْطَى، حينَ خَرَجَتْ تلكَ الأمَمُ عن طاعَةِ الكنيسَةِ ورجالِها لأنّها فَشِلَتْ فِي إيجادِ الحلُولِ الواقِعِيّةِ للمطالِبِ الحياتيةِ والاجتِماعِيةِ الضرورِيّةِ، فأفْضَى ذلكَ إلى الفصْلِ بَينَ الدينِ والدولَةِ في تلكَ الأممِ!، ولذا قيلَ فِي مِثلِ هذا: إنّ كُلّ شَيءٍ يَسيرُ ولا يَبقَى جامِدًا لا يتَغَيرُ؛ إلاّ العُلماء!، وهذهِ المقولَةُ وإن استَندَتْ إلى بَعضِ الوقائعِ إلا أنّها قدِ انتَبَذتْ من الفهمِ الصحيحِ لرسالَةِ الإسلامِ مكانًا قصيّا.
وحينَ وقعَ في العالمِ الإسلاميّ ما وقعَ؛ قرأتُ؛ كما سَمِعْتُ كثيرِينَ يُعَلّقونَ على ذلكَ بأنّها (ثورَةُ الخُبْزِ والجِياعِ!) ، فقُلْتُ تعلِيقًا على قولِ بعْضِهِم: سُبْحانَ اللهِ!، إنكمْ لا تَزالُونَ تُقِرُّونَ بأقوَالِكُمْ هذهِ - من حَيثُ تَعْلُمونَ أو لا تَعْلَمُونَ - مَبْدأَ الفصْلِ بَينَ الإسلامِ والحياةِ!، أو الإسلامِ والدولَةِ!، إذْ جَعَلْتُمْ دَعْوَةَ الإسلامِ قَرِينَةَ الفَقْرِ والحِرْمانِ والبطالَةِ والفراغِ والكسادِ والجَهْلِ والمَرَضِ، كما جَعَلْتُموها قرينَةَ الضعْفِ والذلّةِ والمهانَةِ!، وكلّ هذا مِما يُفْضِي إليْهِ انتِشارُ الفَقرِ في الأمةِ حَتْمًا، ولَيسَ انتشارُ الفَقْرِ والحاجَةِ في الأمُةِ إلا فَرْعَ الظلْمِ، والظلْمُ في العالَمِ الإسلامِي ولِيدُ إقْصاءِ شريعَةِ الإسلامِ وإحلالِ الشرائعِ الوضْعِيّةِ والسياساتِ الجائرَةِ مَحلّ العدْلِ الذي أمرَ اللهُ تعالَى بِهِ عِبادَهُ.