فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 210

والأَمرُ بالإنفاقِ في سبيلِ اللهِ الذي جاءَتْ بِهِ شرِيعَةُ الإسلامِ؛ حتى قيل إن مقاصدَ القرآنِ أربعَةٌ هذا واحِدٌ مِنْها!، وفَتْحُ الشارِعِ أصْلَيِ الموارِدِ الحلالِ للمالِ وهما التجارَةُ التي أباحَها الله تعالى تيسيرًا على الناس؛ والغنيمَةُ التي هِي قوّةٌ للأمةِ وإخضاعٌ للخارِجينَ عن سلطانِ الشرْع، ثُمَّ ما حرّمهُ اللهُ تعالَى من الربا وأكلِ الأموالِ بالباطِلِ، كُلُّ ذلكَ لضمانِ أحَدِ رُكْنَي القُوّةِ اللذَينِ بِِهِما بناءُ الأُممِ وقوةُ الدولِ: المالِ والعلمِ.

ومِن وراءِ ذلكَ أنّ حقيقَةَ الحالِ في العالَمِ الإسلامِيّ قَدْ جاوَزَتْ ما ذكرَهُ الجُوينِيُّ وغيرُهُ من تفويتِ مقاصِدِ الإمامَةِ بِتَولِيَةِ مَن لا تُؤْمَنُ غائلَتُهُ وعادِيَتُهُ على مصالِحِ المسلمينَ بِمراحِلَ لا يَحِلُّ غَضُّ الطرْفِ عَنْها بِحالٍ، لِخُروجِها عن الشرْعِ جُمْلَةً من جِهَةٍ، ولإفْضائِها إلَى تَعْطِيلِ المصالِحِ الكليّةِ التِي لا قوامَ لحياةِ الناسِ دُونَها، فقد اجتمعَ في السكوتِ عن ذلكَ وتركِ إنكارِهِ وتغييرِهِ أمران: مخالَفةُ الشرعِ، وتعطيلُ ضروراتِ الحياةِ!، فكيفَ يُرْجَى معَ هذا لدَعْوَةٍ من الدعَواتِ أنْ يكونَ لها في الأمةِ أثرٌ، أو أنْ تنْهَضَ بِها نُهوضًا يُخَلّصها من الأغلالِ التِي تُرْهِقُها بَينَ حينٍ وحينٍ؟!.

أخذُ العلماءِ على أيدِي العابِثينَ:

وَمن أوجَبِ الواجِباتِ على عُلماءِ المسلمينَ وأهلِ الحلّ والعقْدِ مِنهُمْ الأخْذُ علَى يَدِ من أرادَ أنْ يَعْبَثَ بِمصالِحِ الأُمّةِ كائِنًا مَن كانَ، خاصّةً ما يَقَعُ من ذلكَ من الحُكامِ والولاةِ، لأنّ ضَرَرَ العُدْوانِ من هَؤلاءِ ليسَ كالضرَرِ الحاصِلِ مِن آحادِ الرعِيّةِ، ثُمّ الإنكارُ علَى السلطانِ والمتولّي على مراتِبَ فِي الشرْعِ بِحَسْبِ مَرْتَبَةِ المُنكَرِ أيضًا، فلا يُقْتَصَرُ بِهِ علَى النصْحِ سِرًّا كما دَأَبَ بَعْضُهُمْ على القولِ بهِ فِي كلّ حينٍ؛ حَتى يصيرَ ذلكَ ذريعَةً لانتشارِ أعظمِ المُنكرَاتِ!، ولا يُقْتَصَرُ بِهِ أيضًا على المُنابَذَةِ بالسيفِ حَتى يُرْهَقَ المُسلِمُونَ بتكالِيفَ وأحمالٍ هيَ من قبيلِ الآصارِ والأغلالِ التِي وضَعَها اللهُ تعالَى عنْهم.

بلِ الإسرارُ بالنصْحِ والمنابَذَةُ بالسيفِ كِلاهُما من الشْرعِ، وبَينَهُما مراتبُ مُتفاوِتَةٌ ومنازِلُ مُتبايِنَةٌ، ومن زَعَمَ أن المنابَذةَ بالسيفِ خارِجَةٌ عن الشرْعِ فَهُوَ كمن زَعَمَ أن الإسرارَ بالنُّصْحِ خارِجٌ عن الشرْعِ!، وكلاهُما قائلٌ على الله إصتعالى بغيرِ علْمٍ إذْ أبْطلَ مِن الشرْعِ ما جاءَ بهِ، نَعَمْ لكُلِّ مَرْتَبةٍ من هذه المراتِبِ أحكامٌ تَخْتَصُّ بِها، يضطلعُ بِها الراسخُونَ في العِلمِ، الجامعُونَ بَينَ معرِفَةِ أسرارِ الشريعَةِ ودَقائِقِها، ومعْرِفَةِ حقيقَةِ الأحوالِ التي تمرُّ بِها الأمةُ والعلَلِ التي أصابِتْها.

ولئِنْ غفَلَ الأوّلُونَ عن أنّ تَرْكَ الأخْذِ على أيْدِي الظَلَمَةِ يُفْضِي إلى فُشُوِّ الظلْمِ وتعطِيلِ مصالِحِ الأُمّةِ جَمِيعِها، كما وقعَ في نفْسِ الأمرِ فأفْضَى إلى إقصاءِ شريعَةِ الإسلامِ، وتحكيمِ السياساتِ الجائِرَةِ بل والكافِرَةِ، ومواطَأةِ أعداءِ الأمةِ والشريعَةِ، وتمكينِهِم من البلادِ والعبادِ!، وغيرِ ذلكَ مِما انتَهى ببلادِ الإسلامِ إلى الحالِ الذي نراهُ!، فقَدْ غفَلَ الأخيرُونَ كذلكَ عن أنّ دفعَ ذلكَ إنّما هُوَ من قَبيلِ دَفْعِ الصائلِ، يُتَحَرّى فِيهِ الأسْهَلُ حِياطَةً لأهلِ الإسلامِ، ورِعايَةً لِمَصالِحِ الأنامِ، كما قُلنا في غيرِ هذا الموضعِ:

إِنْ وَقَعَ مِن الحاكِمِ كُفْرٌ بَواحٌ لا خَفاءَ فِيه؛ وقامَ عَلَيهِ بُرْهانٌ مِن الشَّرْعِ، كانَ هَذا بِمَنْزِلَةِ الصائِلِ الذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى المُسْلِمِينَ دَفْعُهُ، فَإنْ أمْكَنَ أَهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِن العُلَماءِ ورُؤُوسِ الناسِ خَلْعُهُ وَالقِيامُ بِأمْرِ الشَّرْعِ وإنْفاذُ أَحْكامِهِ مِن غَيْرِ قِتَالٍ وإراقَةِ دَمٍ وجَبَتِ المُبادَرَةُ إلَيهِ، ومِن أعونِ الأمورِ على ذلكَ أن يكونَ لأهلِ العلْمِ في العالَمِ الإسلامِيّ رابِطَةٌ مُستَقِلّةٌ تَجْعَلُ لَهُم حصانَةً حافِظَةً وكلِمَةً نافذةً؛ فَهِي بِمَنزِلَةِ سلُطةِ عُلْيا تُشرِفُ على المصالِحِ الكُبْرَى للعالَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت