الإسلامِي، وتتولّى مُراقَبَةَ المسؤُولِينَ عن تَنفِيذِها، فإنْ ظَهَرَ مِن بَعْضِهِم عجزٌ أو قصورٌ أخذَتْ على يَدِهِ، وقضتْ في ذلكَ بِما تقْتَضِيهِ الأمانَةُ؛ ومصلَحَةُ الأمةِ والديانَةِ.
وإنْ لَمْ يُمْكِنْ ذلكَ إِلاَّ بِأَنْ يَنْصِبُوا لِحَرْبِهِ وجَبَ بِشَرْطَيْنِ:
-القُدْرَةِ عَلَى ذلكَ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلَى أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ؛ مِن أكابِرِ العُلَماءِ وذَوي الخِبْرَةِ والِشَّأنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمين، ومَعَ العَجْزِ فَلا تَكْلِيفَ، والواجِبُ حِينَئِذٍ الصَّبْرُ؛ والعمَلُ على تَقلِيلِ الشّرِّ ما أمكَنَ، والسَّعِيُ فِي تَحْصِيلِ أسْبابِ القُدْرَةِ التي يَتحَقّقُ بِها إقامةُ العَدْلِ؛ والمَيْسُورُ لا يَسْقُطُ بالمَعْسُور.
-والثانِي: أَنْ لا يُفْضِيَ القِيامُ بِذلكَ إلَى مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ، فَإنَّ الكُفْرَ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، ولا عَداؤُهُ للإسلامِ والمُسْلِمِينَ علَى مَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ، وَرُبَّما كانُوا أَقْدَرَ علَى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ فِي زَمانٍ دُونَ آخَرَ، ولأَنَّ تَحْصِيلَ المَصْلَحَةِ مِن وَجْهٍ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِها باطِلٌ؛ فَيُمْنَعُ، ومَتَى تَرَجَّحَ حُصُولُ المَصْلَحَةِ بالقِتالِ تَعَيَّنَ ذلكَ، فإنَّ البادِيَةَ والحَاضِرَةَ لَو اقْتَتَلُوا حَتَّى يَذْهَبُوا عَن آخِرِهِمْ كانَ أهْونَ مِن أنْ يَنصِبُوا فِي الأرْضِ الخُكْمَ بِخِلافِ شَرِيعَةِ الله.
انعزال الدعوةِ عن الأمة!:
الثالث: ويتحَصّلُ مِن مجْموعِ ما ذكَرْناهُ أنّ مِن أخطَرِ ما واجهَتْهُ الدعواتُ انعِزالَها عن الأُمّةِ جسَدًا وروحًا، وهوَ انعزَالٌ - على تَعَدُّدِ صُوَرِهِ وأشكالِهِ - خارِجٌ عنْ جَوْهَرِ دَعْوَةِ الإسلامِ، فإن مُقْتَضى كَونِ دعوةِ الإسلامِ للناسِ كافّةً أنْ يَتناوَلَ الإسلامُ عِلاجَ كُلِّ جانِبٍ من جَوانِب الحَياةِ في الأمةِ المسلِمةِ، كما يتناولُ حياةَ الأمَمِ كُلّها على اختِلافِ الأزمِنةِ والأمكنةِ؛ ومع تبايُنِ الطبائعِ والعاداتِ؛ واختلافِ الموروثاتِ والتقالِيدِ، وتفاوتِ أنماطِ حياتِها وسُبُلِ عيشها؛ وما يتجدّدُ في مفاهِيمِها وأفكارِها، ويتطوّرُ مِنْ سياساتِها ومصالحِها، وهذا كما تَرى لا تقْدِرُ عليه الدعواتُ التِي قامتْ على أساسِ الولاءِ والانتماءِ للحزبِ والطائفَةِ؛ والشيخ ِ والمذهَبِ والانتصارِ لَهُما!، ومنْ تأمّلَ فِي مجموعِ حقلِ الدعوةِ الإسلامِيةِ على اختلافِ فِرَقِهِ وتبايُنِ مذاهِبِهِ لاحَ لهُ عَجْزٌ لا يمكنُ غضّ الطرفِ عنه بحالٍ، هذا العجْزُ من أعظمِ أسبابِهِ قُيُودُ التحزبِ والانتماءِ، ومِن أعظَمِ آثارِهِ الفصامُ الكبيرُ بَينَ هذهِ الدعواتِ والأمةِ المسلِمَةِ!، ومن أعظَمِ الأدلّةِ والبراهِينِ عليهِ العجزُ عن تقدِيمِ الحلولِ العملِيّةِ للمُشكِلاتِ السياسيةِ والاجتماعِيةِ والاقتصادِيةِ والثقافيةِ وغَيرِها التِي تُخَيِّمُ بظلالِها على بلادِ المسلمينَ، ومِن ثَمّ فلَيسَ في وُسْعِ شيءٍ مِنها أن يَرِثَ سِياسَةَ الأمّةِ وصدارَةَ الحكمِ في هذِهِ المرحَلَةِ لإقامَةِ ما أمرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن إصلاحِ أحوالِ البلادِ والعِبادِ.
لا يجوزُ لي ولا لغيري أنْ يغمِطَ عاملًا للإسلامِ حقّهُ؛ جماعةً من المسلمينَ كانَ أو فردًا، لكنّ الرائدَ لا يكذبُ أهلَهُ، ومُخادَعَةُ النفْسِ بالمُداهَنَةِ والمُداراةِ أضرُّ علَيها مِن مُخادَعَتِها بِصَرِيحِ الكذِبِ، عافانا اللهُ والمسلمينَ من كِلَيْهِما، والمقْصُودُ من هذا كلّهِ أن تتهَيّأَ دعْوةُ الإسلامِ لِحَمْلِ الأمانَةِ في المستقْبَلِ القريبِ، وليسَ يَتِمُّ هذا إلاّ بإزاحَةِ كلِّ ما يَحُولُ بَيْنَها وبينَ الغايَةِ المرجُوّةِ والهَدَفِ المُنشُودِ، ومِن أعْظَمِ دُروسِ التارِيخِ التِي لا تجوزُ الغفلَةُ عنْها أنّهُ ما مِن دَعْوَةِ كِتِبَ لَها النجاحُ - لا في أمةِ المسلمينَ فحَسْبُ؛ بلْ في الأُمَمِ كلّها - إلاّ بِرِباطٍ وثِيقٍ بَيْنَها وبَينَ الأُمّةِ؛