فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 210

يَحْمِلُها عَلَى الرّفْقِ بِهَا؛ وَعلَى تَلَمُّسِ مَواطِنِ مصالِحِها ما أمْكَنَ، حَتّى إنّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ ذلكَ مِن السنَنِ الاجْتِماعِيّةِ التي يَنْبِنِي عَلَيها تَغْييرُ المُجْتَمَعاتِ والأُمَمِ.

جذورُ الإشكالِ:

ثُمّ إنّ الغفلَةَ عن هذِهِ السنّةِ المذكُورَةِ أورَثْت الدّعْوَةَ نَوعَيْنِ مِن الفِصامِ يَرْجِعُ إلَيْهِما جَمِيعُ ما تُعانِيهِ الدعْوَةُ من المشكلاتِ عِنْدَ التأمّلِ:

-الانْعِزالَ عن الأُمّةِ جَسدًا ورُوحًا، وهذا حالُ جَمِيعِ الأحْزابِ والفَرَقِ على اختِلافِ مَناهِجِها، واضطرابِ مَواقِفِها مِن واقِعِ العالَمِ الإسلاميّ، وتَبايُنِ سِياساتِها في التعامِلِ معَهُ؛ لما أورَثَهُ انْعِزالُها مِنْ ضَعْفٍ في الفِقْهِ؛ وخَلَلٍ في البَصِيرَةِ؛ وذُهُولٍ عَن تَقْدِيرِ المصالِحِ العامّةِ حَقَّ قَدْرِها، ولَيْسَتْ هِيَ علَى رُتْبَةٍ واحِدَةٍ في هذا كُلّهِ، لكِنّ الذي ذكَرْناهُ سِمَةٌ جامِعَةٌ لَها، وأنْتَ مِن بَعْدُ تَعْرِفُ مِن كُلٍّ مِنْها وتُنْكِرُ!.

-والانْعِزالَ عن مُعالَجَةِ عِلَلِ المشاكلِ الكُبرى التِي طَرأتْ على حياةِ الناسِ، وهذا حالُ كَثِيرٍ من المشايِخِ والدعاةِ!؛ حَتّى غدا ذلكَ في كَثِيرٍ من المواطنِ تأصيلًا لِفَصْلِ الدينِ عن الدولَةِ والمُجْتِمَعِ بِلسانِ الحالِ وإنْ خالَفَهُ لِسانُ المَقالُ!.

والكلامُ عن أثَرِ هذينِ مما لا تتسعُ لهُ هذهِ الرسالَة، لكنّ من أعظِمِ آثارِهِ التِي لا بدّ من الإشارَةِ إلَيها هيَ ما يتعلّق بالأحْكامِ والنوازِلِ والواقعاتِ التِي طَرَأَتْ وَتَطْرأُ على حَياةِ المسلمينَ؛ خاصّةً ما يتعلّقُ مِنْها بالمصالِحِ الكُبْرَىَ؛ والمقاصِدِ العُلْيا للعالَمِ الإسلامِيّ، فإنّ القصورَ في بَحْثِ هذهِ النوازِلِ أحيانًا؛ وغضّ الطرْفِ عَنْها أحيانًا أخْرَى!؛ أو تَناوُلَها تَناوُلًا مُقَيّدًا بِسَطْوَةِ الخوْفِ منَ الظُّلْمِ الذي لا يَزَالُ يُرْهِقُ العالَمَ الإسلامِيّ!، معَ شدّةِ الحاجَةِ إلَى ذلكَ؛ كلُّ هذا أفضَى إلى جَعْلِ هذهِ النوازِلِ دُولَةً بَينَ قليلِي العلْمِ وضِعافِ التحْصيلِ مِن جِهَةِ، وبينَ أغْراضِ الآراءِ ونوازعِ الأهواءِ مِن جِهَةٍ أُخْرَى!، وهُو الذي أفْضَى إلَى الخُروجِ بالناسِ في كثيرٍ من المواطِنِ عن المَعْهُودِ الوسطِ اللائِقِ بالجُمْهُورِ؛ فَجَنَحَ بِهِمْ إمّا إلَى مذْهَبِ الإعناتِ والتشديدِ والحَمْلِ علَى أعسرِ التكلِيفِ!، وإما إلَى طَرَفِ الانْحِلالِ والإهمالِ وخَرْمِ قواعِدِ الشريعَةِ وأصولِها!.

الإسلامِيُّونَ والمثقّفُون!:

وقَدْ أحْدَثَ هذا الفصامُ بَوْنا بَعِيدًا بَينَ طائِفَتَينِ من الأُمّةِ لا غِنَىً بأحَدِهِما عن الأُخْرى: (الإسْلامِيّينَ والمُثَقّفِينَ) !، وليسَ يَستَقِيمُ حالُ المسلمينَ إلاّ باجِتْماعِهِما؛ وقيامِ المُصلِحِينَ بِسَدِّ ما بَينَهُما من الثغَراتِ، وذلكَ ركْنٌ من أهَمِّ أركانِ الاجِتِهادِ في السياسَةِ الشرْعِيّةِ، إذْ تضافَرَتْ عَلى التفْرِيقِ بَينَهُما أسبابٌ عِدّةٌ يطولُ الوُقوفُ علَيها، على رأسِها ما طَرأَ ويطْرأُ علَى حياةِ الأُمَمِ مِن التبَدُّلِ والتغَيرِ، مما يقضي قضاءً مُحتمًا بإبقاءِ بابِ الاجتِهادِ مفتوحًا لكلّ مَنْ مَلَكَ زِمامَهُ وآلتَهُ، فَهذا مَعَ العَمَلِ على إزالَةِ ما يُعَكّرُ صفْوَ الفَهْمِ لدَعْوَةِ الإسلامِ عندَ الفريقَينِ هو الإصلاحُ المطلُوبُ.

ولَعَمْرِي إِنّها لِقِسْمَةٌ عَجَبٌ!، ولولاَ أنّها واقِعَةٌ في الوُجُودِ؛ ومُمْتَدَّةٌ على مساحَةٍ واسِعَةٍ في العالَمِ الإسلامِيّ! لكانَ هذا التقْسِيمُ مِمّا يُضْرَبُ عَنهُ الذكْرُ صَفْحًا؛ لمُبايَنَتِهِ لِدَعْوَةِ الإسلامِ جُملَةً وتفْصِيلًا، ويكفي الواقِفَ علَى هذينِ الاسمَيْنِ أن يعلمَ أنّهما أثرٌ من آثارِ الفصامِ الواقعِ بَينِ الدينِ والدنيا، وفي الإسلامِ دَعْوى الدينِ والدُّنْيا واحِدَةٌ، وإنما هُما ضُرّتانِ حَيثُ تَفوتُ باجْتِماعِهما المصلَحةُ الكُبْرَى التِي هِي مَصلَحَةُ الآخَرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت