سألْتُ في مواطنَ عِدّةٍ عددًا مِمنْ يحمِلُ لواءَ الدعْوَةِ إلَى الإسلامِ منَ المشايِخِ والدعاةِ والخطباءِ وغيرِهِمْ: ما الغايَةُ الكُبْرَى التِي تسْعَونَ إلَى تَحْقِيقِها في حَياةِ الأمةِ والناسِ من وراءِ دَعْوتِكِمْ؟، وما غايَةُ التمكينِِِِ الذي تلهَجُونَ بذكْرِهِ بَينَ الناسِ؟، وما الجديدُ الذي ستُقَدّمُونَهُ للأمّةِِ بديلًا عن الواقِعِ الذي تعيشُهُ لتُسْلِمَ إلَيكُمْ قِيادَها آمِنةً مُطْمَئِنّةً على مَصالِحِ دُنْياها وأُخْراهَا؟.
فصامٌ آخرُ:
لَقَدْ مَلَّ الناسُ خِطابَ الوَعْظِ، واسْتِعْراضَ مآسِي المُسلِمينَ التي ما عادَتْ تَخْفَى على أَحَدٍ!، واجْتِرارَ الماضِي العَرِيقِ؛ وتَصْوِيرَهُ للناسِ بالغًا حَدّ الكمالِ وكأنّ الذي صَنَعَهُ لم يَكُونوا بَشرًا مِنَ البشَرِ!، ومِن ثَمّ أوْرَثَهُمْ ذلكَ نوعًا آخَرَ من الفصامِ لا يِقِلُّ خطرًا عن سابِقِهِ!؛ وهُو الفِصامُ بينَ الماضِي والحاضِرِ!؛ الماضِي المُتَمَثِّلِ في الأذْهانِ في هَيئَةِ الكمالِ المُطْلَقِ الذي لا وُجُودَ لَهُ في هذِهِ الدنيا أصلًا!، والحاضِرِ الذي يُمِثّلُ أخْطَرَ المراحِلِ التي يَمُرُّ العالَمُ الإسلامِيُّ بِها!، وإنّ صَنِيعَ هؤلاءِ الوُعّاظِ لَيُذكِّرُنِي بكَثِيرٍ مِن (المُسَلْسَلاتِ التمْثِيلِيّةِ التارِيخِيّةِ) التِي تَعْرِضُ على مسامِعِ العامّةِ من المُسلِمينَ وجْها واحدًا من التارِيخِ؛ هُوَ الوَجْهُ المُشرِقُ الذي يُوحِي بالخُروجِ عن الطبيعَةِ البشَرِيّةِ إلَى عالَمٍ مِنَ المِثالِ لا وُجُودَ لَهُ بَيْنَ البَشَرِ!، وهذا لا شَكّ أنّهُ مُثَبِّطٌّ للعَزائِمِ؛ مُحْبِطٌ للهِمَمِ؛ مُقْعِدٌ عن السّعْيِ والعَمَلِ!، إذْ غايَتُهُ إشْعارُ النفُوسِ بأَنَّهُ لا سَبيلَ إلى إِدْراكِ ما أدْرَكَهُ الأَوَّلُون ولا إدْراكِ بعْضِهِ!!، فَتَعَيّنَ الرضا بِواقِعِ الحالِ إذْ كانَ تَبْدِيلُهُ مِن المُحالِ!، ولا شَكَّ أن هذا يُفَوِّتُ المَقْصُودَ من دراسَةِ التارِيخِ، كما يُفَوِّتُهُ تَشوِيهُهُ وتَزْيِيفُهُ الذي يَصْنَعُهُ آخَرُونَ!، ولا فَرْقَ.
والمَقْصودُ في هذا الموطِنِ التنْبِبهُ على أنّ كُلَّ ذلكَ من البراهِينِ على قصورِ الفَهْمِ لِدَعْوَةِ الإسلامِ ورسالَتِهِ، ولذا لا تكادُ تَجْدُ جوابًا نَظَرِيًّا شافِيًا عن هذهِ الأسئلَةِ التي أشرْنا إلَيْها!، فَما ظَنُّكَ بالعَمَلِ بِها وقيامِها قُدْوَةً تُحْتَذَى ونَهْجًا يُتَّبَعُ يسيرُ الناسُ على هُداهُ؟!.
وما أكثَرَ ما تَسْمَعُ في مجالِس الدّرْسِ والوعْظِ وعلَى ألْسِنَةِ كَثيرِينَ تَقْسِيمَ العُلُومِ إلى: شَرْعِيّةٍ وغَيرِ شرْعِيّةٍ!؛ إسلامِيّةٍ وعِلْمِيّةٍ!، دِينِيّةٍ ودُنْيَوِيّةٍ!، فَما لِهَذا الأَمْرِ قِبْلَةٌ واللهِ (جِهَةُ صِحّةٍ) ، وهذا وإنْ كانَ تَقْسيمًا حادِثًا مُبْتَدَعًا فلَيسَ المُرادُ من إيرادِهِ هُنا إقامَةَ الدلِيلِ على ما يُخالِفُ الشرْعَ مِنهُ، بلْ التنبيهَ على أنه أثرٌ من آثارِ العُزلَتَينِ المذكورَتينِ من جهَةٍ؛ وَالتحْذِيرَ من آثارِهِ العَمَلِيّةِ على الفِصامِ بَينَ الأُمّةِ والدعْوَةِ، فإنّ كَثِيرًا من التقْسيماتِ وإن لمْ يُرِدِ الواضِعُ بِها ابْتِداءً ما أفْضَتْ إلَيهِ من الخلَلِ؛ إلاّ أنّ لها أثَرًا لا يُنْكَرُ، كتقْسيمِ الدينِ إلى عِباداتٍ ومُعامَلاتِ!، فإنّهُ أفْضَى إلَى ظَنّ انْحِصارِ مَفْهُومِ العِبادَةِ في الفرائِضِ الخَمْس وخُروجِ المُعامَلاتِ مِنْها!، ولذا تَرى فِي أُمَمٍ مِنَ الناسِ منْ يُكْثِرُ من الصيامِ والصلاةِ والحجّ والتلاوةِ والذكْرِ؛ لكِنّهُ في المُعامَلاتِ ظالِمٌ مُخادِعٌ كذّابٌ غاشٌّ لا يأْمَنُ المُسْلِمُونَ بَوائِقَهُ!، وهكذا هُنا!؛ فَقَدْ أفْضَى تَقْسيمُ العلومِ على النحوِ الذي ذكرْناهُ إلَى ظَنِّ أنّ الدِينَ لا عِلاقَةَ لَه بِهذِهِ العلُومِ جُمْلَةً وتفْصِيلًا!، ومن ثَمّ فلاَ عِلاقَةَ للإسلامِ بِكُلِّ جانِبٍ من جوانِبِ الحياةِ التي تتعلّقُ بِهَذِهِ العلومِ!، مَعَ أنّ هَذهِ العلومَ هِي التِي تَتَفاوَتُ بِها الأمَمُ قُوّةًً وضَعْفًا، والأخْذُ بِها من قَبيلِ الأخْذِ بالسنَنِ الكونِيّةِ التِي لاَ خُروجَ لأحَدٍ من البَشَرِ عَنها، وهذا من أهَمّ أسبابِ تأَخُّرِ رَكْبِ الدّعْوَةِ عَن مُواكَبَةِ ما يَطْرأُ علَى حياةِ الأُمّةِ من التطّوّرِ والتغَيُّرِ اللذَينِ يَقْتِضِيانِ من الإحاطَةِ بِدَقائِقِ الشْرِعِ وأسرارِهِ ومَقاصِدِهِ مَعَ عُمْقِ الفَهْمِ وسَعَةِ الاطلاعِ على الواقِعِ المُعاصِرِ ما يُعِينُ على تَجَنّبِ عَوامِلِ ضَعْفِهِ والأخْذِ بأسبابِ قوتِهِ.
صورةُ الصراعِ اليومَ: