ولَيْسَتْ المَعْرَكَةُ اليَوْمَ على غِرارِ ما سَبَقَ؛ تُحْسَمُ نَتائِجُها فِي جَولَةٍ أو جَولَتَينِ؛ فَمَغْلُوبٌ ومُنْتَصِرٌ!، بل إِنّها - إضافَةً إلى تَعَدُّدِ جَوانِبِها؛ عَقِيدَةً وأخْلاقًا وفِكْرًا وتارِيخًا وثقافَةً وسياسَةً وإعلامًا وغَيرَ ذلكَ - قَدْ أَصْبَحَتْ تَحْتَ أَعْيُنِ الناظِرِينَ، ضَرَورَة ما اقْتَضاهُ تَقارُبُ الزمانِ والمكانِ من ذلكَ!، فأشْبَهُ شَيءٍ بِها لُعْبَةُ الشِّطرَنْجِ؛ وهِي التِي يُحّرُّكَ اللاعِبانِ فِيها البَيادِقَ عَلى قِطَعٍ مُرَبّعَةٍ؛ ويُحاوِلُ كُلُّ مِنْهُما قَتْلَ مَلِكِ خَصْمِهِ وحِمايَةَ مَلِكِهِ في الوَقْتِ نَفْسِهِ، وكُلُّ ذلكَ يَتِمُّ تَحْتَ سَمْعِ الخَصْمِ ونَظَرِهِ!، ولِذا تَسْتَوْجِبُ من الفِطْنَةِ والذكاءِ ما تَستَوْجِبُهُ الحَرْبُ مِنْهُما؛ مِمّا جَعَلَها من القَدِيمِ من ألعابِ المُلوكِ، وقَدْ ذكَر ياقُوتُ أنّ الذي وضعَ هَذهِ اللعْبَةَ هُو صَصّةُ الهِنْدِيُّ صَنَعَها لَبَهْرَامَ ملكِ الفْرِس، وقِيلَ بل وضعَها أرْدَشيرُ بنُ بابَكَ من ملوكِهِمْ؛ واللهُ أعلمُ، والمَقْصودُ أنّ حالَ العَالَمِ اليومَ ومِنهُ العالَمُ الإسلامِي قِياسًا عَلى هَذا المِثالِ يَستَوجِبُ من العُلماءِ والدعاةِ وأهلِ الحلّ والعَقْدِ من عُمْقِ الفَهْمِ، وقُوّةِ الإدْراكِ، وشُمولِ المَعْرِفَة، وسعةِ الاطلاعِِ، ودِقّةِ النظَرِ، وحصافَةِ الرأْي والتدْبِيرِ، ما نُحَقّقُ بهِ المصالِحَ الكُلِّيّةَ علَى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ ونَدْرأُ بِهِ من الخَطَرِ عن أُمّةِ الإسلامِ ما وَجَدْنا إلَى ذلكَ سَبيلًا.
المثقفونَ والإسلام:
وفِي العُدْوَةِ الأُخْرَى؛ فَطَبَقَةٌ واسِعَةٌ مِن المثقّفِينَ، بِيَدِها مَقالِيدُ الأمُورِ؛ وهِي جُزْءٌ مُهِمٌّ مِن عَقْلِ المُجْتَمَعِ لا قُدْرَةَ لَهُ على الحِراكِ والنُّهُوضِ إلاّ بِهَا، انْتَبَذَتْ مِن الطائِفَةِ الأُولَى مَكانًا قَصِيًّا؛ واتّخَذَتْ مِن عَجْزِها دلِيلًا على عَجْزِ دَعْوَةِ الإسلامِ عَنْ مُجاراةِ ضُروراتِ العَصْرِ وتلْبِيَةِ مطالِبِهِ!، وقَنَعَتْ مِن الإسلامِ بما وَرِثِتْهُ عن الآباءِ والأجْدادِ، وآثَرَتْ خَوْضَ الحَياةِ دَونَهُ، ظَنًّا مِنْها أنّ بَيْنَهُ وبَيْنَ العُلُومِ التي هِي مِن أسبابِ القوّةِ عَداءً أبَدِيًّا!، وأنّها حِينَ تُدْعَى إلَى الإسلامِ فَلا بُدَّ أنْ تَحْذُوَ حَذْوا أولَئَكَ اللذينَ يُمِثّلُونَهُ!، والبَشَرُ إنّما يُسْلِمُونَ قِيادَهُم لِمَن فاقَهَمْ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ، ثُمّ أخَرَجَهُمْ بِعِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ مِن الفَقْرِ إلى الغِنَى؛ ومِن الضعْفِ إلى القُوَّةِ؛ ومِن الظُلْمِ إلى العَدْلِ؛ ومِن المَهانَةِ إلى الكَرامَةِ، ومِن حياةِ العَبِيدِ إلى حَياةِ السادَةِ، فَما اللذي قَدّمَتْهُ الدّعْوَةُ الإسلامِيّةُ المُعاصِرَةُ للأُمّةِ مِنْ هذا؟!.
أَذكُرُ أنّنِي لَقِيتُ مَرّةً أُسْتاذا جامِعِيًّا فاضِلًا خَبيرًا في الاقْتِصادِ الإسْلامِيّ، وقَدْ سَعِدْتُ بِصُحْبَتِهِ أيامًا دارَ فِيها حدِيثٌ طَوِيلٌ حَولَ البابِ الذي أكْتُبُ الآنَ فِيهِ، وكانَ مِما ذكَرَهُ أن قال: إنّ عُمْدَةَ الاقْتِصادِ الإسلامِي قَولُهُ تعالَى في المالِ: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ} ؛ فَفِيهِ بَيانٌ لِحِفْظِ حَقِّ الأمّةِ كُلِّها في الثرْوَةِ، ورِعايَةِ المَصْلَحَةِ العامّةِ لكافّةِ الأمّةِ بما جَعَلَ اللهُ لَهُمْ من الحَقِّ فِي المالِ الذِي جَعَلَهُ للأغْنِياءِ ولَهُمْ، وليسَ للأغْنياءِ فَحَسْبُ، كما قالَ تعالَى: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الذِي آتَاكُمْ} ، إلى آخَرِ ما هُنالكَ، حتّى جَرَّ حَدِيثُهُ هذا إلى ما يُعانِيهِ الناسُ من الظلْمِ والفَقْرِ للخُروجِ عن هذهِ القاعِدَةِ الشرْعِيّةِ المُحْكَمَةِ؛ وعلى أثَرِ ذلكَ على الدّعْوَةِ إلى اللهِ تعالَى؛ وانتهى في حديثِهِ إلَى أنّ أضْيقَ الناسِ يدًا وأعظَمَهُمْ حاجَةً هُم العلماءُ والدعاةُ والوعاظُ والخطباءُ وأئمّةُ المساجِدِ وطلابُ العلمِ!، قالَ: ولا يَزالُ هَؤلاءِ في بلادِنا عَالَةً في أرزاقِهِم على الناس، وهذا حالُ أكْثَرِ أَئِمّةِ المساجِدِ والخطَباءِ في بلادِنا، تَتَقاسَمُ بُيوتاتُ كُلِّ حَيِّ أعْطِيَةً للإمامِ في كُلِّ شهْرٍ لا تكادُ تُقِيمُ أَوَدَهُ!، فَقُلْتُ لَهُ: يا لَلإِْسْلامِ! ويالَلْمُسْلمينَ!، إنّ مِثْلَ هَذا هُوَ الذِي حَطَّ مِن أقْدارِ هَؤلاءِ بَينَ الناسِ، وجَعَلَهُمْ مَوْضِعَ شَفَقِةٍ ورَحْمَةٍ؛ كما جعلَهُمْ موضِعَ سُخْرِيَةٍ واستِهْزاءِ على حدٍّ سواءٍ!، وهَذا!؛ معَ الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ رسالَةِ الإسلامِ هُوَ الذي أوْقَعَ في نُفوسِ (المُثَقَّفِينَ) نُفورًا وإعراضًا عن دَعْوَةِ الإسلامِ!.
قصةٌ وَقَعَتْ!: