فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 210

ومِن طَرائِفِ ما وَقعَ لِي معَ هذه الطبَقَةِ من المثَقّفِينَ - والشيءُ يُذكَرُ بَنظِيرِهِ - أنّنِي لَقِيتُ جَماعَةً مِن عِلْيَتِهِم في مَجْلِسٍ مِن المَجالِسِ؛ وكانُوا ذَوي اخْتصاصاتٍ مُخْتَلِفَةٍ في العلومِ، وأحْسَنُهُمْ حالًا مَن كانَ يُصَلّي تارَةً ويَتْرُكُ أُخْرى!، فَرأَيْتُ مِنْهُم تَهَيُّبًا وتَصَنُّعًا في المجْلِسِ لَمْ يُعْجِبْنِي، وكانُوا قَدْ قالُوا لِمَنْ رَتّبَ للقاءِ مِن قَبلُ: لا نُحِبُّ مَجالِسَ الشيوخِ!، فَعَرَفْتُ الذي رابَهُمْ؛ وأنّ صُورَةً حاضِرَةً في أذهانِهِمْ لا يَزالُونَ يَقِيسونَ عَلَيها ويَعْتَبرُونَ كلَّ مَن يلْقَونَهُ بِها!، فانْبَسَطْتُ إلَيْهِم؛ واستَرْوَحْتُ إلى مُحادَثَتِهِم بِسُؤالٍ كُلٍّ مِنْهُم عَن اخْتصاصِهِ وفَنِّهِ، فإنْ ذكروا من ذلكَ شيئًا شاركْتُهم فيهِ بما فَتحَ اللهُ تعالَى بِهِ علَيّ، وأَوْرَدْتُ ما في كتابِ اللهِ تعالَى من الدلالَةِ عَليهِ بِلطائفِ التنبيهاتِ ودقائقِ الإشاراتِ، وبَيّنْتُ لَهُمْ حاجَةَ أهْلِ الإسلامِ إلى مِثْلِ هذهِ العلومِ، وأنّهُمْ بِدراسَتِها لَمْ يَخْرُجُوا عَن دِراسَةِ الإسلامِ والعَمَلِ بِما فِيهِ، وهُم بِحَمْدِ اللهِ تعالَى لا يَقْضُونَ مِن ذلكَ العَجَب، فانصَرفوا حامِدِينَ شاكِرينَ، ووَعَدُوا بالعَوْدَةِ ثانِيةً للقاءٍ آخَرَ.

ثُمَّ إنهُم صدَقوا الوَعْدَ بِحَمدِ اللهِ تأثُّرًا بالمجْلِسِ الأولِ، ولم يزالُوا يأتون للقاءِ المرّةَ بعْدَ المرّةِ حتّى بلغَتِ المجالِسُ عَشرًا أو يَزيدُ، وهُمْ في أوّلِ ذلكَ كُلّهِ بَينَ مُصدّقٍ ومُكَذّبٍ!؛ فلمْ يَزَلِ الحَدِيثُ يَنْتَقِلُ مِن وادٍ إلى وادٍ؛ حَتّى وقعَ السؤالُ عن الرّقْصِ! فأجَبْتُهُم جوابًا طويلًا؛ ذكرتُ فيهِ تارِيخَهُ؛ ونشأَتَهُ؛ وأنواعَهُ؛ وما يُرادُ بهِ التعَبّدُ منهُ! وغَيرُ التعبد، وعاداتِ الأممِ والأقوامِ واعتقاداتِهِم فيهِ!، فلما أنِسُوا لما سَمَعُوهُ عَرّجْتُ بِهِم إلى الحديثِ عن دَعوةِ الإسلامِ ورسالَتِهِ، وعن سعَتِها وشُمُولِها، وما الذي جناهُ العالَمُ الإسلامِيُّ بل العالَمُ كُلّهُ بالقصورِ في فَهْمِ رسالَةِ الإسلامِ، فكانَ مِما قالَهُ قائلُهُم بَعْدَ هذا: الحَقَّ نَقولُ لكَ: إنّهُ لَم يَدُرْ فِي خَلَدِ أحَدِنا في يومٍ من الأيامِ أنْ نًسْمعَ من أحدٍ مِن علماءِ المسلمينَ مِثْلَ هذا!!، وما زِلْنا نَحْضُر صلاةَ الجُمُعَةِ مُنْذُ عِشرينَ عامًا فما سَمِعْنا خَطِيبًا ذكَرَ ذلكَ ولا بَعْضَهُ!، ولَقَدْ كُنّا نَظُنُّ أنّ الذي تَعَلّمْناهُ وقَضَيناَ مِن أعمارِنا دَهْرًا طَويلًا في تِحْصِيلِهِ خارِجٌ عن دَعْوَةِ الإسلامِ؛ ونَحْنُ مَعَ ذلكَ نَكْرَهُ المَلالِيَ والمشايِخَ! لأَنّنا نَراهُمْ يَعِيشُونَ خارَجَ العالَمِ الذي نَحْنُ فِيهِ!؛ فلا زَمانُهُم زَمانُنا ولا حَياتُهُم حَياتُنا، حَتّى خُيّلَ إلَيْنا لأجلِ ما نراهُ من حالِهِم أن الإسلامَ عائِقٌ من عوائِقِ التمدّنِ والحضارَةِ!، أما وقَدْ سَمِعْنا الذي سَمِعْناهُ اليومَ فإنكَ لا تُدْرِكُ قَدْرَ السعادَةِ التِي نَشْعُرُ الآنَ بِها حِينَ عَرَفْنا أن ما قَضَيناهُ من أعمارِنا كانَ خِدْمَةً لِرسالَةِ الإسلام!.

الدينُ والدنْيا معًا!:

فَقُلْتُ لَهُمْ: إن أَرَدْتُمْ مَعْرِفَةَ الغايَةِ الكُبْرَى التِي تَهْدِفُ إلَيها دَعْوَةُ الإسلامِ في هذه الدنيا فانْظُرُوا إلَى هذهِ الدُّوَلِ التِي حازَتْ مِن أسبابِ القُوّةِ والسلطانِ بِفُنونِ العِلْمِ وأنواعِ الصناعاتِ ما جَعلَها مَحَطَّ أنظارِ الناسِ؛ وخذُوا كُلّ نافِعٍ مِن الأسبابِ يرضاهُ الشرْعُ، ثُمّ اجْمَعُوا ذلكَ إلَى الإسلامِ الذي هُو تَوْحِيدُ اللهِ تعالَى وإقامَةُ شَرْعِهِ الذي هُوَ حَقِيقَةُ العَدْلِ الذي تَنْشُدُهُ كُلُّ أُمَّةٍ من الأُمَمِ، فِتِلْكَ هِي رِسالَةُ الإسلامِ حَقا، وأيضًا فأسبابُ القُوةِ مِن أعظَمِ العَونِ على خضوعِ الناسِ لرسالَةِ الإسلامِ، وذلكَ مِفتاحُ طريقِ الأممِ إلى سَعادَةِ الآخَرِةِ التي هيَ الغايةُ الكُبرَى من خلقِ الناسِ، وما يُرَوَّجُ لهُ من الفصلِ بينَ الإسلامِ والعلمِ؛ والذي انتقَلَتْ عَدْواهُ من الأُمَمِ الأورُوبِيّةِ إلى الأمةِ المسلمَةِ؛ وأنّ العلومَ إنما نشأتْ في أوروبًا بعْدَ الفصلِ بينِ الدينِ والعلمِ!، فيَنْتُجُ من ذلكَ أنّ الدينَ عائِقٌ عن العلمِ!؛ فادّعاءٌ باردٌ سمِجٌ؛ يكذبهُ ألفٌ عامٍ من تاريخِ نورِ الرسالةِ في العالمِ الإسلامِي هي نفسها عصورُ الظلامِ في أوروبا!، كما يكذبُهُ اليومَ حالُ دولَةٍ كاليابانِ مَثلًا التي تُعَدُّ الدولةَ الثانيةَ في الإنتاجِ الصناعِيّ في العالمِ؛ وهي مع ذلك دولةٌ بوذيّةٌ وثنيّةٌ يعتَنقُ غالبُ سكانِها الديانةَ البوذيّةَ؛ كما يَعتنِقُ معظَمُهم (الشنتُو) وتعني: طريقَ الآلِهَةِ؛ ويعبدُ أتباعُها آلِهةً عدّةً يسمونَها (كامُو) يزعمُونَ أنها تُوجدُ في الجبالِ والصخورِ والأنهارِ والأشجارِ وغيرها!، وهكذا حالُ الصينِ وهي أكبر دولِ العالمِ في عددِ السكانِ والثالثَةُ في المساحَةِ؛ وحضارَتُها من أقدَمِ الحضاراتِ التي تعودُ إلى نحْوِ أربَعَةِ آلافِ عامٍ؛ وهُم أولُ من طَوّرَ البوصلَةَ ووَرَقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت