فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 210

الكتابَةِ وصناعَةَ الخزَفِ وغيرَها؛ وغالبُ الصينينَ يعتِنقُ الديانَةَ البوذيّةَ التِي انتقلتْ إليهمْ من الهندِ في القرنِ الثانِي الميلادِيّ؛ كما يعتنقُ آخرونَ الكونفوشيّةَ التي أنشئتْ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ؛ والطاوِيّةَ التي وجِدَتْ في الرابعِ قبلَ الميلادِ، ومعَ هذا فإنّ مدينَةَ (شَنْغهاي) وهي أكبرُ مُدُنِ الصينِ واحدَةٌ من مراكزِ التصنيعِ في العالمِ؛ وجنُوبُ الصينِ ووسَطُها مَعروفٌ بتطْويرِ الصناعاتِ الثقيلَةِ، وثالثهُ هاتينِ الدولَتَينِ هيَ (روسيا) أكبرُ دُولِ العالمِ مساحَةً؛ وتاريخُها في الشيوعِيّةِ معروفٌ؛ وهي معَ ذلكَ من الدوَلِ الصناعِيةِ المعروفَةِ، فأينَ فصلُ الدينِ عن الدولَةِ في هذهِ الأمَمِ حَتَى يُقالَ إنَ ذلكَ هُوَ سِرُّ التطوّرِ العلمِي والتقدُّمِ الصناعِيّ؟!، وإنّما قَيّدْنا ما يُؤْخَذُ مِن تلكَ العلومِ بِقَيدِ (النافِعِ) لأنهُ ليسَ كُلّ ما في العلمِ المادّيّ التجرِيبِي صالحًا فَيُؤْخَذُ؛ وليس كُلّ ما فيهِ طالحًا فَيُنْبَذُ؛ بل يُؤْخَذُ مِنهُ مَا فِيهِ صلاحُ الأمةِ والمُجْتَمعُ؛ وتحقيقُ رسالةِ الإسلامِ على الوجْهِ الذي نبّهْنا عليهِ، وإنما جاءَ الإسلامُ لِصَلاحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَيسَ المُرادُ بِصلاحِ الدُّنْيا أن يِجِدَ الإنسانُ ما يَسُدُّ رَمَقَهُ من العَيشِ!؛ حتى وإن كانَ فِي هذهِ الحياةِ لا قِيمةَ لهُ!؛ فتلكَ رُتْبَةٌ تَحْصُلُ للسوائمِ من البَهائمِ أيضًا!، وإنما المُرادُ بِصلاحِ الدنيا أن يَمْلكَ المُسلِمونَ زِمامَها وقِيادَها، فإنّهُ ما مِن سَبَبٍ نافِعٍ من أسبابِ القوّةِ على وجْهِ الأرْضِ إلا كانَ المسلِمونَ أحَقَّ بِهِ وأهلَهُ، وليسَ للمُسْلِم على وَجْهِ الأرْضِ سِوى مكانَينِ لا ثالِثَ لِهما، إما سَنامُ العِزَّةِ وذُرْوَةُ السيادَةِ والرياسَةِ، وإمّا القَبْرُ فَهُو خَيرٌ لَهُ، ولَيسَتِ الواسِطَةُ بَينَ هذينِ إلا حَياةَ العَبِيدِ والقَهْرِ والحِرْمانِ!.

وإنما يُنْكِرُ الإسلامُ ما في تِلْكَ الأممِ من العُبودِيةِ للشهَواتِ؛ وبقاءِ الإنسانِ أسيرَ الهَوى؛ لأن ذلكَ مُفْسدٌ لسعادَتِهِ في الدنيا والآخرة، ومن ظنّ أن المدنيّة والرذيلةَ قرينانِ أبدًا! فقط أساء الظن وأخطأ التقدير، بل دَعوةُ الإسلامِ الحقةُ هي الجمعُ بين المدنيةِ والفضيلةِ! ففي كتاب الله تعالى من القواعدِ الدالةِ على ذلكِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ ولا يَنقادُ فَهْمُهُ إلاّ لذِي بصيرِةٍ سَويّ يتنكبُ طريقَ العصبيةِ والهَوى؛ ويلزمُ طلبَ العدْلِ الذي هو الغاية التي تنشدُها جميع الأمم، يلْ والكتُبُ الجامعَةُ لَهَدْي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله؛ كصحيح اليخاري مثلًا فيها من ذلك تفصيلُ ما في الكتابِ الكريم، فلو استعرَضْتُمْ أبوابَ صَحيحِ البخارِيّ وفصولَهُ مثلًا؛ أو غيرَهُ من كُتُبِ السنةِ؛ لرأيْتُمْ في جُمْلَتِها جميعَ جوانِبِ الحياةِ في حرَكَةٍ دَؤُوبٍ تستغْرِقُ عُمُرَ الإنسانِ والمجْتَمعِ مِن ولادَتِهِ إلى وَفاتِهِ؛ كما تستغْرِقُ الحياةَ البشرِيّةَ مُنْذُ أن خُلِقَ الإنسانُ وَإلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ علَيها!، وهُو بُرْهانٌ جلِيٌّ لا يُنازَعُ على أنّ لشَرِيعَةِ الإسلامِ هَدفًا أسْمَى فِي كُلِّ ناحِيَةٍ من نواحِي الحَياةِ.

الإسلامُ مُهَذّبٌ للحضارات:

بلِ الإسلامُ فَوقَ هذا كُلِّهِ هُو ذُرْوَةُ الانْتِفاعِ بِما أنتجتْهُ الحضارَةُ البشَرِيّةُ في تارِيخِها الطويلِ من فُنونِ العلمِ وضُروبِ المعْرِفَةِ، غَيرَ أنهُ لما كانَ خاتَمَ الأديانِ؛ والشريعَةَ الجامعَةَ بينَ مصالِحِ الدنيا والآخرَةِ؛ جاءَ بجُملَةٍ من القواعِدِ الجامعَةِ المانِعَةِ التِي يَرجعُ إلَيها التمْييزُ بَينَ ما يُقْبَلُ من ذلكَ وما يُرَدّ، ثُمّ إن هذه القواعِدَ - سواءٌ ما يتعَلّقُ مِنها بالأحكامِ أو الأخلاقِ بُنِيَتْ على مُراعاةِ أمرينِ: مُوافَقَةِ الفِطْرَةِ السوِيّةِ؛ ورِعايَةِ المطالِبِ التِي تَقومُ علَيها الحياةُ البشرِيةُ؛ وهي الضرورياتُ التِي لا بدّ مِنها في قيامِ مصالحِ الدينا والآخرَةِ، والحاجياتُ التِي يُتَوَسّلُ بِها فِي رَفْعِ الحرجِ والمشقّةِ، والتحسينياتُ؛ وهيَ الكمالياتُ في حياةِ الإنسانِ، وهذا يضْمَنُ لشريعَةِ الإسلامِ من السعَةِ والشمولِ والمرونَةِ؛ معَ ثباتِ الأصولِ ورسوخِ القِيمِ ما يَفِي بِتَحْصيلِ مصالحِ الدارَينِ على أحْسَنِ الوجوهِ معَ اختلافِ الزمانِ وتجدُّدِ وجوهِ المصالحِ وتطورِها، وأعلى من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت