كلّهِ أنّ قواعِدَ الإسلامِ الأخلاقِيّةَ وأحكامَهُ المرعِيّةَ مُستَمدّةٌ من عقيدَةِ التوحيدِ؛ كما قال تعالَى: {وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
هلْ تُقاسُ الحضارَةُ الإسلامِيةُ بغَيرِها؟:
وبِهَذا التقْرِيرِ يُعْلَمُ فسادُ النظِرِيّةِ الاجْتماعِيّةِ التِي ذكرَها (وِلْ ديورانتْ) وغيرُهُ حينَ قال: والدينُ بِصِفَةٍ عامّةً لا يَرعَى الخَيرَ المطْلَقَ ... ؛ بل يرعَى معايِيرَ السلوكِ التِي وطّدت نفسها بحكمِ الظروف الاقتصاديةِ والاجتماعِيّةِ؛ وهوَ كالقانُونِ يلتَفِتُ إلى الماضي ليستَمِدّ مِنهُ أحكامهُ، وهُو قَمينٌ أنْ يَتَخّلّفَ في الطريقِ كلما تغَيّرَتِ الظروفُ وتغَيّرت معها الأخلاقُ؛ ... إلى أن قال: فالعواملُ الأرضيةُ هي التي تسودُ آخِرَ الأمرِ، والأخلاقُ تُوائِمُ بَينَ نَفْسِها وبينَ المُستَجِدّاتِ الاقْتِصادِيّةِ شيئًا فَشيئًا؛ ثُمّ يتَحَرّكُ الدينُ كارِهًا فَيُوَفّقُ بَينَ نفْسِهِ وبَينَ الأخلاقِ الجديدَةِ، إنّ الوظيفَةَ الخلقِيةَ للدينِ هي أنْ يُحافِظَ عَلى القِيَمِ القائِمَةِ؛ أكثَرَ مِما يَخْلُقُ قِيمًا جديدَةً. انتهى.
ووَجْهُ فسادِها أنّها مَبْنِيةٌ على دراسَةِ أحوالِ المُجْتَمعاتِ الخارِجَةِ عن هُدَى اللهِ وشرائعِهِ السماوِيّةِ؛ سواءٌ من المجتَمعاتِ الوثنِيةِ القديمةِ كالإغريقِ والرومانِ وغيرِها؛ أو المجَتَمعاتِ النصرانِيّةِ قديمِها وحديثِها، بل قِصّةُ الحضارَةِ عِنْدَهُ تَبْدأُ بِهَذهِ المُجتَمعاتِ الوثنِيّةِ!، وما قبلَ ذلكَ فَهِيَ الشعُوبُ البِدائِيّةُ؛ والمتوحّشونَ والهَمَجُ!؛ مع شيءٍ من التحفُّظِ قدْ أبداهُ في استِعمالِ اللفظَينِ الأخيرَينِ، وفاتهُ أن التوحيدَ والإسلامَ وُجِدًا معَ خلْقِ الإنسانِ ووُجُودِهِ على الأرضِ؛ كما قال النبي صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه في الحديثِ القدُسي: (وَإنّي خلقتُ عبادي حُنفاءَ كلَّهم، وإنّهمْ أتتهمُ الشياطينُ فاجْتَالَتْهُمْ عن دينهم، وحَرّمَتْ عَلَيْهِم ما أَحْلَلْتُ لَهُم، وأمرتْهُم أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنزِّل به سلطَانًا) ، وفي القرآنِ قولُهُ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ؛ وهوَ عُمومٌ يَشملُ أسماءَ جميعِ الأشياءِ وخَواصَّها؛ كما يشملُ أسماءَ الذواتِ والأفعالِ التي تتصلُ بحياةِ البشرِ والتِي تُمكّنُهمْ مِنَ الانْتِفاعِ بِما خلقه الله تعالَى في الكونِ؛ كما علّمَ سُليمانَ عليهِ السلامُ مَنطِقَ الطيرِ؛ وعلّمَ داودَ عليهِ السلامُ صناعَةَ الحديدِ، وما العلمُ المادِي بعدَ ذلك سوى نَظَريّاتٍ وتطْبِيقاتٍ عمَلِيّةٍ للمَعارِفِ التِي جُمِعَتْ وصُنّفَتْ؛ أو اكتُشِفتْ وطُوّرَتْ؛ ودراسةِ ما بَينها من العلاقاتِ؛ وَفْقَ مَناهِجَ معلومَةٍ وطرائقَ محدُودَةِ، ثُمّ لا يُقبلُ شيءٌ من هذا حتّى يقومَ البُرهانُ على صحّتِهِ، وهذا الذي ذكَرْناهُ دلِيلٌ على أنّ بدايَةَ المدنيّةِ وانطِلاقَتَها كانَتْ معَ التوحِيدِ الذي بُعِثَ بِهِ آدمُ علَيهِ السلامُ، أما هذِهِ المُجْتَمعاتُ التِي درَسَها فَإِنّما بُنِيَتْ حضارَاتُها علَى فسادٍ في الأصولِ العقائدِيةِ والقواعِدِ الأخلاقِيّةِ مَعًا!؛ ولذلكَ عجَزَتْ عنْ مُواكَبَةِ الحياةِ السياسَيّةِ والاجتِماعِيّةِ وتطوّراتِها؛ وإن كانت عَونًا للسياسَةِ في بداياتِها!، لكنّ تَقَدُّمَ المعرِفَةِ وتغَيرَ أسالِيبِ الحياةِ وتقَلُّبَ وجوهِ السياساتِ أطوارًا؛ أفضَى إلى التصادُمِ بيْنَها وَبَينِ الأساطيرِ واللاهوتِ في تلكَ الأديانِ؛ وشعرَ الناسُ برقابَةِ رجالِ الدينِ وأنّهُم أغلالٌ ثقيلَةٌ على كلّ جانِبٍ من جوانِب ِالحياةِ؛ وحائلٌ دُونَ التقدُّمِ في شيءٍ مِنها، ومِن ثَمَّ أثمرَ هذا عداءً في تلكَ الأممِ بينَ الدينِ والعلمِ!، ومال الناسُ إلى الانفلاتِ مِن رَقابَةِ رجالِ الدينِ؛ وجعلُوا من الأنظمَةِ التي بدأتْ على أيدِيهِمْ كالقانونِ والعقابِ؛ والتربيةِ والأخلاقِ؛ وغيرها من المعاملاتِ أنظِمةً دُنْيَوِيّةً خارِجَةً عن ذلكَ الدينِ الذي اصطنَعُوهُ، كما نبذُوا وراءَ ظُهُورهمُ اللاهوتَ القديمَ، ثُمّ اطّرَحُوا - بَعْدَ لأْيٍ - التشريعَ الخلُقِيّ أيضًا!، وأصبَحَتِ الفلْسَفَةُ وآدابُ المجتَمَعِ مُناهَضَةً لرجالِ الدينِ، ودَعْوَةً إلى عِبادَةِ العقْلِ والهَوى!، وذلكَ كُلُّهُ ناتِجٌ عن خَيبَةِ آمالِ تلكَ الأمَمِ في مَنْظُومَةِ العقائدِ والأخلاقِ التي كانتْ تَحْكُمها، مِما أفضى إلى تَدَهْوُرِ السلوكِ الإنسانِي في تلكَ المُجتمعاتِ لأنّهُ مسلُوبُ الدعائِمِ أصلًا؛ قائمٌ على غيرِ أساسٍ، كما قالَ تعالَى في كتابِهِ الكريمِ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ