وأحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن من أعظم أسباب الفتنة التي وقعت في الأيام الماضية بين الطائفتين المعلومتين -اللذين تعلمونهما- من أعظم أسباب الفتنة قيل وقال؛ فإن زلات اللسان من أبعد الزلات عن تقوى الله -تبارك وتعالى- ومخافته، وصدق رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حينما سأله الصحابي وصيةً جامعةً فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك هذا) ، وصدق أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- حينما كان يأخذ لسانه فيقول:"هذا الذي أوردني المهالك".
واعلم أن جراح البدن تزول ربما بعد أيام وبعد أشهر وبعد سنوات، لكن جراح اللسان وثلب اللسان يبقى لا لسنوات فحسب لكنه يبقى في الأصواب والأعراض إلى أجيال متتابعة متلاحقة، لسان يزل زلة فيجرح رجلًا أو يجرح أمة من الأمم فيبقى هذا الثلب والجرح في أجيال متعاقبة في أصواب الرجال، تتعاقب في أصواب الرجال وفي أرحام الأمهات إلى ما شاء الله -تبارك وتعالى-.
فليتقِ اللهَ -تبارك وتعالى- المرء في زلات لسانه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لأصحابه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله المفلس من لا درهم له فينا ولا متاع، قال: لا، ولكن المفلس من يجيء يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة .. ) وأنتم تعرفون جبال تهامة ما هي، جاء بحسنات كأمثال الجبال؛ هاجر في سبيل الله وقاتل عدو الدين وبذل وقته ونفسه وماله، بذل من أنفاسه وأوقاته في قيام الليل وصيام النهار وفي ذكر الله وتلاوة كتابه، وفي الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر وفي طلب العلم، لكن أين يذهب ذلك كله؟؟ (لكنه يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار) تعس والله هذا المفلس، وإنه للمفلس حقًا كما أخبر بذلك الصادق الصدوق - صلى الله عليه وسلم -.
فاحذر أن يضيع ثواب جهادك وثواب هجرتك وثواب عملك بزلات اللسان، وإنها واللهِ -تبارك وتعالى- لخسران عظيم أيها الإخوة، عليك أن تشغل نفسك بطاعة الله -تبارك وتعالى-، بما يحبه الله ويرضاه، أن يكون وقتك وقت عامرًا بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكما قلت فأنتم لست مقاتلين فحسب، أنتم ينبغي أن تحملوا رسالة الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى، وأنتم ستدخلون بين قوم يغلب عليهم الجهل، فما علّمكم الله -تبارك وتعالى- إياه وإن كان قليلًا ولكنه بالنسبة لحال هؤلاء الناس كثير، اشتغلوا في تعليمهم، علموهم توحيد الله -تبارك وتعالى- لإزالة ما راج ويروج بينهم، مما من أعظم أسبابه الجهل بدين الله وأحكام الله، ما يروج بينهم من البدع والخرافات وغير ذلك، اشغلوا أوقاتكم بهذا ولا تنسوا ما أُمرتم به من الحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نُزع في شيء إلا شانه، ومن