حُرم الرفق فقد حُرم الخير كله، والله -تبارك وتعالى- يقول لنبيه موسى وهارون -عليهما صلوات الله وسلامه- قال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} فإذا أمرهما ربنا -تبارك وتعالى- أن يُلينا القول لأعتى الكفار على الأرض في ذلك الوقت الذي يدعي الربوبية، فمن باب أولى أن يُلان الكلام والخطاب لأهل الإسلام.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - وصفه الله -عز وجل- بأنه رؤوف رحيم بأمته، وهكذا كان هديه - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه لأصحابه، أنه كان يترفق بالجاهل ويتحمل الأذى في سبيل إيصال كلمة الحق ودعوة الخير، وكلكم يعرف قصة ذلك الأعرابي في حديث أنس بن مالك في البخاري ومسلم، الذي دخل وبال في ناحية من المسجد -أكرمكم الله- فقام إليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لينهوه عن ذلك، فقال لهم النبي -عليه الصلاة والسلام-: (لا تَزْرموه) يعني لا تحبسوا عليه بوله، فلما فرغ دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا الغائط، إنما هي لذكر الله -تبارك وتعالى- والصلاة وقراءة القران) . انظروا إلى هذا الرفق ما أحسنه، وما أعظمه! وكيف كان سببًا عظيمًا في تقبل هذا الأعرابي العامي لدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال الأعرابي كما في روايات الحديث: (بأبي هو وأمي ما نهرني ولا زجرني، ما رأيت معلمًا أحسن منه) .
وهكذا شأنه - صلى الله عليه وسلم - مع الأعرابي الآخر الذي أدركه -عليه الصلاة والسلام- وعليه برد نجراني -صنع في نجران- غليظ الحاشية فجبذه الأعرابي جبذة شديدة حتى أثرت في صفحة عنق النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول -الأعرابي-: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وابتسم وأعطاه.
هذا الخُلق الكريم لا يوفق إليه إلا من وفقه الله -تبارك وتعالى- لذلك، هذا الخلق الكريم هو مفتاح القلوب في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-، هذا الخلق هو الحبل الواصل بينك وبين الناس، هو الذي تدخل به لقلوب الناس، يحبك الناس لكريم أخلاقك فيقبلون دعوتك ويقبلون ما تأمرهم به وما تنهاهم عنه.
وكما قلت فلا يوفق لذلك إلا من وفقه ربنا -تبارك وتعالى-، وأسأل الله -عز وجل- أن يجعلكم هداة مهديين، وأن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن يهدي بنا إلى سواء السبيل -سبحانه عز وجل-. وأبشروا فإنكم -إن شاء الله تبارك وتعالى- إن عملتم بهذا وسلكتموه كان جهادكم لبِنة من لبنات المجاهدين في تاريخ هذه الأمة، كان لبنة في بناء صرح الإسلام الشامخ العظيم، وهذا أيها الإخوة مما يميز عبادة الجهاد في سبيل الله عن غيرها من العبادات؛ أن الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- يُبنى عليه غيره، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن المجاهد يُنمّى له عمله إلى يوم القيامة، قال العلماء -رحمهم الله-: من الأعمال التي يبقى ثوابها بعد العبد كالصدقة الجارية والعلم الذي يُنتفع به والولد الصالح، هذه الأعمال يُنمّى للرجل فيها ثواب عمله، أما المجاهد فإنه