واللهِ إن النفس لتحزن وليشُق عليها حينما نسمع أحوال المجاهدين في بلد كذا وبلد كذا وقد وقع بينهم من الخلاف والفرقة ما يتوجه إليه الذم الوارد في الكتاب والسنة كله، كله يتوجه إلى هذه الفرقة والخلاف، وكم يكون هذا الاختلاف وتكون هذه الفرقة ذريعة ووسيلة لتدخل أعداء الإسلام في شؤون أهل الإسلام، فمن الحكمة والعقل بل ومن الدين والشرع قبل ذلك، أن يظهر المسلمون في هذه الأحوال التي تعيشها الأمة اليوم كلمة واحدة, وأمة سواء، أن يظهروا بناءً واحدًا متلاحمًا متراصًا؛ لأن في تلاحم الأمة اليوم وفي اجتماع كلمتها هيبة لها في صدور أعداء الإسلام والدين، ولأن في ذلك دحرًا لهذا الكيد والمكر الذي يراد بالإسلام وأهله.
وأنت إذا أردت أن يكون جهادك على الوجه الذي يحب الله -تبارك وتعالى- ويرضاه، فعليك أن تلزم غرز هذه الطاعة؛ أعني الطاعة باجتماع الكلمة وتوحيد الصف، فكن حيث أمرك الله, كن حيث يحب الله -تبارك وتعالى- أن يراك، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، كن حيث يطَّلع الله -تبارك وتعالى- على سلامة قلبك وصدرك، وعلى حسن نيتك وتقواك وطاعتك لله -تبارك وتعالى-، فإن الله -عز وجل- يرضى منك ذلك ويحبه ويثيبك عليه.
وتمثل دائمًا أمر أميرك على أنه أمر الله -تبارك وتعالى- لك، ولا تدع الشيطان يهول عليك ذلك ويعظمه في نفسك، ويقول لك من هو فلان الأمير؟ ما باله يأمر وينهى ويتعالى؟ فإن أمره يجب عليك طاعته بأمر الله -تبارك وتعالى- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالله -عز وجل- يقول لك: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، هذا أمر الله لك. والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يأمر أصحابه بالسمع والطاعة لأمراء الجهاد، وأمراء السرايا، بل أمر بالطاعة لأمراء السفر، وإنما سمي الأمير أميرًا لأنه يأمر ويُطاع، فمادام أمره في طاعة الله -تبارك وتعالى- بعيدًا عن معصية الله فالسمع والطاعة له واجبة، ولا تظنن -كما يقع في نفوس كثير من الشباب هداهم الله- أن السمع والطاعة إنما هي من باب المندوبات، بل ربما ظنها بعضهم من العادات المستحسنة التي إن فعلها فبها ونعمت وإن خالفها لا شيء عليه، لا، بل هذه طاعة واجبة عليك.
ثم أنتم -حفظكم الله تبارك وتعالى- في هذه البلاد أنتم تحملون رسالتين، أو هكذا ينبغي أن تكونوا؛ تحملون رسالة الجهاد في سبيل الله بالسيف لعدو الدين لتكونوا قدوة للمسلمين في هذه البلاد من المجاهدين وغيرهم، لتكونوا قدوة لهم في جهادكم. ثم تحملون رسالة الأخلاق التي يُجلّلها رداء العلم، فتظهر في مظهر جليل مَهيب، يقتدي الناس بكم، تكونون قدوة حسنة لهم بأخلاقكم، باجتماع كلمتكم، بوحدة صفكم، بطاعتكم لأمرائكم، فكونوا كلمة واحدة حتى يتعلم العامة منكم، وإن فعلتم هذا أيها الأخوة فأبشروا.