وصبرًا على الأذى في سبيل تحقيق هذه الغاية العظمى، التي هي دعوة الأنبياء والرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- أجمعين.
والركن الثاني من أركان الجهاد: توحيد الكلمة وجمع الصف على كلمة سواء؛ فإن الفُرقة أيها الإخوة هاوية الفشل والعزيمة، الفرقة والخلاف، ما مر في تاريخ الإسلام والمسلمين شيء أضر على أمة الإسلام والمسلمين بعد الشرك بالله -تبارك وتعالى- من الفرقة والخلاف, ولا نعرف في تاريخ الإسلام والمسلمين دولة من الدول الإسلامية ابتداء من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية إلى الدول في الأندلس وغيرها من دول الإسلام والمسلمين، لا نعرف دولة انتهت وزالت إلا وكان من أعظم أسباب سقوطها وزوالها الفرقة والخلاف بين أهل الإسلام.
وكتاب الله -تبارك وتعالى- مليء بحمد الله -تبارك وتعالى-، وكذلك سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مليئة بذم الخلاف، ولا نعني الخلاف بين طائفة الحق وأهل الباطل, فهذا خلاف واجب ينبغي على المرء أن يأتي به، لكن الخلاف المذموم هو الخلاف بين أهل الإسلام، والله -عز وجل- ذكر في ذلك قاعدة واضحة بينة {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، ولذلك فالذي يظن أن وقوع الخلاف أو أن الخلاف الذي يقع بين المسلمين إنما هو ذنب يسير لن يتجاوزه هو ومن يختلف معهم فقد أخطأ في ظنه، وأبعد النُجعة -كما يقال-، بل إن هذا الذنب ينبني عليه تسلط أعداء الإسلام على الإسلام وأهله, لأن الله -عز وجل- يقول: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ؛ تذهب قوتكم، وإذا ذهبت الريح والقوة تسلط عدو الدين على الإسلام وأهله.
ثم انظروا في حال المتفرقين المختلفين، الذين أُمرنا أن نعتبر بأحوالهم ممن مضى من الأمم السالفة، والعصور الخالية، في الأندلس وفي غيرها، كيف كانت الفرقة والخلاف بينهم سببًا لموالاتهم عدو الدين والإسلام؛ لأن كل طائفة منهم لما وقع الخلاف كانت تريد أن تتقوّى على الطوائف الأخرى، فكيف تفعل؟ بموالاة اليهود والنصارى, فأصبح بعضهم يوالي الكفار ليتقوّى بموالاتهم على إخوانه من المسلمين، فاستطاع بذلك أعداء الدين أن يفتّوا في عضد أهل الإسلام، ثم لا زالوا يغرون بين المسلمين العداوة والبغضاء، حتى أُبيد المسلمون في تلك البلاد عن بكرة أبيهم، لم يبقَ فيها مسلم واحد! فأين المعتبرون؟ ألم يقل ربنا -تبارك وتعالى-: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ، هذه من القصص التي أُمرنا أن نعتبر بها.
ولو تأملت أحكام الشريعة لوجدت أن جميع أحكامها مبينة على هذا الأصل الأصيل والركن الركين؛ على مراعاة أحوال اجتماع الكلمة، وسد كل ذريعة وطريق مؤدٍ ومفضٍ إلى وقوع الاختلاف بين أهل الإسلام، فليحذر الإخوان -حفظهم الله تبارك وتعالى- من خطر هذا وضرره وشره.